سوريا: إقليمياً، دولياً بعد 38 شهر من الثورة

سوريا: إقليمياً، دولياً بعد 38 شهر من الثورة

(في الحروب, يكون تدمير الجسور أول أهداف الخطط الدفاعية) مقولة رددها الإعلامي حسنين هيكل عن أحد السياسيين الغربيين في معرض حديثه عن موقع بلادنا كجسور حضارية بين ثلاثة قارات و بعيداً عن تقيمنا لموقف الاستاذ هيكل المخزي تجاه الثورة السورية منذ بدايته, لكنه قدم لنا نصف الحقيقة عن دور بلادنا في الشرق الأوسط عند تضارب المصالح الإقليمية و الدولية في ظل غيابنا كفاعلين اساسيين في مصائر أوطاننا و كياناتنا.

سورية كجسر طبيعي بين ثلاث كتل قارية, حضارياً و ثقافياً و انسانياً و في وقت خسرت فيه دورها الطبيعي التاريخي و القسري الأسدي المبالغ به في السياسات الإقليمية بعد انهيار مشروعية نظامها يوم ارادها حرباً على الشعب السوري الذي انتفض على النهب و اللصوصية الأسدية لتتحول لثورة هدفها بناء سورية جديدة حرة و ديمقراطية من غير آل الأسد و عصاباتهم و أجهزتهم المجرمة, قد يكون تدميرها أحد أهداف الخطط الأقليمية و الدولية و ليس كما تدعي من حرصها عن وحدة و سلامة التراب السوري.

ليس من باب السوداوية و لا من باب العلم الميتافيزيقي و لكنه أحد الاحتمالات الواقعية التي نراها في هذا التوجه الدولي لتحقيقه, دولة تنهار و تدمر و يهاجر أو ينزح أهلها بالملايين هرباً من نظام استبدادي دموي و مليشيات طائفية من كل العالم و بسلاح دفع ثمنه شعب طيب و محب للحياة الكريمة و الحرة و العمل و التجارة منذ نشأته, دون أن تطلق رصاصة واحدة أو يشارك جندي أجنبي واحد في هذا الصراع الطويل الأمد.

لا تحتاج الدول العظمى لمبررات كثيرة لتدخلها السياسي أو العسكري الفاعل ضد نظام يقتل شعبه أو لإيقاف حرب أو مجازر انسانية كما حدث في الثورة الليبية و في حرب مالي و في الأزمة الأوكرانية بينما تختلق آلاف الأعذار و المبررات و المعوقات القانونية لعدم تدخلها لإنهاء المأساة السورية الواضحة المعالم و الأسباب و المسببين بها.

أحد أهم مقومات التحليل و العمل السياسيين هو توصيف الواقع و القوى الفاعلة و مصالح كل منها و خاصة عندما يتحول الصراع السياسي إلى صراع عسكري حيث لا يوجد أهداف عسكرية دون أهداف سياسية و نجاح أي منها مرهون باستراتيجية مشتركة و أكبر دليل على ذلك فشل العمل العسكري الذي تقوم به المعارضات حتى اليوم في الصراع السوري بسبب عدم وجود استراتيجية عسكرية على الأرض و تفكك التشكيلات العسكرية و تعدد تمويلها و ولائها ناهيك عن عدم وجود استراتيجية سياسية أيضاً تجمع أجسام المعارضات و تفصلهم عن تاريخهم و أمراضهم فكيف و نحن نتحدث عن حتمية توحد الاستراتيجيتين العسكرية و السياسية و هناك من يسوق للنصر و كأننا في عصور الطير الأبابيل و العصف المأكول.

في الشق الذي يتحدث عن توصيف القوى الإقليمية و الدولية التي لها يد الفعل و التأثير على مجريات الصراع نتحدث بالتفصيل عنها و هي:

1- الدول الإقليمية:

الدور الاسرائيلي: لا يمكن لأي محلل سياسي أن يستبعد دور اسرائيل القوي و الفاعل و المؤثر على سياسات الكثير من دول العالم في استمرار الحالة السورية دون حسم و استدامة الحرب فيها لبلد تشكل حالة عداء طبيعي لوجودها بسبب شعور شعبي سوري عام بأنها دولة تحتل فلسطين احد مكونات سورية الطبيعية التاريخية و بأنها سبباً جوهرياً في مأساة الشرق الأوسط و حالة عدم الاستقرار فيه و بأنها خطراً وجودياً له بسبب أطماعها المعلنة في فكر مؤسسي الدولة الصهيونية. ارتبط و اتضح ذلك بتصريحات اركان النظام الأسدي الصريحة بأن وجود اسرائيل مرتبط ببقاء النظام الأسدي تحديداً و هي بطاقة مساومة للنظام حاول اللعب بها و لم ينجح بالمطلق لأن الدولة الاسرائيلية احتوت التصعيد على حدود الجولان و أقنعت إدارة أوباما بعدم الحسم السريع في الوضع السوري عندما كانت السياسية الأمريكية أكثر حدة في بداية الثورة تجاه النظام و رأسه تحديداً. هنا, لا يمكن لأن نستبعد التدخل الاسرائيلي العسكري في مراحل متقدمة من الأزمة السورية في حال سقط النظام و اتجهت الأمور لقيام نظام ديمقراطي يعريها كدولة دينية عنصرية تدعي أنها دولة ديمقراطية في محيط مستبد و همجي أو في حال اقتراب الخطر القاعدي, بين قوسين, من حدودها غير المعلنة بعد.

الدور الإيراني: تحول الدور الإيراني في سورية تحولاً جذرياً مع توريث السلطة لبشار الأسد, حيث سعى الأب حافظ الأسد إلى بناء علاقة مميزة مع إيران منذ ايام الشاه المعزول ثم انتقل إلى قادة الثورة الاسلامية الإيرانية كوسيلة ابتزاز للدول العربية و الخليجية خاصةً و لكنه ظل محافظاً على خطوط حمراء تمنع تدخلها في الشؤون السورية بكل حزم و حنكة و لكن الوريث وجد في تحالفه مع إيران ملاذاً عند اشتداد الضغوط الأمريكية أيام جورج بوش الأبن الذي اعتبر سورية خطوته التالية بعد احتلال العراق بالتالي فقد استثمرت إيران في سورية كثيراً و في لبنان عبر حزب الله كقاعدة متقدمة في صراعها الإقليمي مع اسرائيل المنافس الأكبر لطموحاتها النووية و التوسعية في ظل غياب الدور العربي المزمن في منطقة حرجة و حساسة حيث لا يمكن أن تترك للفراغ و على قوى أخرى أن تملأه بحكم قوانين الطبيعة و السياسة. ارتبطت القيادات الإيرانية بالنظام الأسدي بشبكة علاقات اقتصادية و مصالح شخصية محصنة بسياسية تتحدث بلغة الدول و لكنها بالاساس هي حكومات مستبدة شمولية فيها من المافوية و الطائفية ما يكفي لتحارب العالم من أجل هذا الاستثمار هذا ما بدى واضحاً و حاسماً في الأزمة السورية حيث زود النظام الإيراني النظام الأسدي بخبراته الأمنية لقمع المظاهرات و الاستخبارتية في شبكات التطرف السني و الشيعي و المالية في ضخ أربع عشر من مليارات الدولارات لإبقاء النظام على تماسكه و عسكرياً في تزويده بالسلاح و العتاد في حربه ضد الشعب السوري و في إرسال مقاتلي الحرس الثوري و ميليشيات طائفية عراقية و لبنانية للقتال مع النظام المنهك. إيران لن تسلم سورية و لا رأس النظام فيها بدون ثمن يغطي دخولها النادي النووي و يضمن مصالحها في الخليج العربي لأجل غير مسمى و لذلك ستبقى متمسكة بنظام الأسد حتى النهاية إلا في حال تدخل عسكري مباشر من تحالف دول عظمى فإيران لا تقاتل خارج حدود إيران مهما كانت الخسائر كبيرة. إيران تدرك أن سقوط نظام الأسد و منظومته الأمنية ستجبره على التراجع إلى حدود دولتها و سيسقط حليفها اللبناني و العراقي في مراحل متقدمة خاصة إذا كان البديل السوري بديلاً ديمقراطياً و وطنياً, و من هنا على السوريين أن يجدوا و يبحثوا عن وسائل تفكيك العلاقات العضوية بين نظام إيران و نظام الأسد و التفكير بها جيداً علها تحد من ضحايا هذا التحالف بإيجاد صيغ سياسية للعلاقة بين سورية الجديدة و ملالي إيران طالما لهم القدرة على الفعل و التأثير في مسار الأحداث في سورية و العراق و لبنان.

الدور التركي: ينبع تأثير الموقف التركي من مسلمات اساسية في السياسة التركية, تعويم التوجه الإخواني للثورة السورية و تبيض تاريخه أمام السوريين و طرح النموذج التركي الاسلامي للسلطة كبديل عن السلطات العربية القومجية و العلمانية, بين قوسين, و التي صارت خارج السياق التاريخي بمشاريع التوريث فيها, خاصة بعد النجاح الاقتصادي الكبير لسياسات اردوغان و استلام الإخوان للسلطة في مصر و تونس. أيضاً, الحفاظ على علمانية الدولة التركية بضمان الجيش التركي و استبعاد الأشكال السلفية أو تصديرها لسورية للتخلص منها كما فعلت جميع دول العالم. دخولها إلى نادي الدول المتصارعة على الشرق الأوسط أمام اسرائيل و إيران من باب الاقتصاد و العلاقات السنية في مقابل العلاقات الشيعية في كل من سورية و العراق و منها إلى لبنان و الأردن و الخليج. ضمان حدودها الجنوبية الشرقية من منع قيام أي كيان كردي مستقل يتبع مع الزمن للكيان الكردي العراقي سينتقل أيضاً إلى الأقليم الكردي التركي. هذا كله, عبرت عنه السياسة التركية منذ بداية الثورة السورية حيث وقفت معها و فتحت اراضيها للسوريين سياسيين و معارضين و لاجئين لبناء منظومة عمل سياسية مستقبلية مع سورية بعد الأسد تضمن مصالحها و توسع نفوذها و تعيد أمجادها على رقعة واسعة من الشرق الأوسط و لكن هذه السياسة تراجعت كثيراً و حجمت أمريكياً حتى هذا اليوم و كذلك سعودياً-مصرياً بعد سقوط المشروع الإخواني في مصر. لكن من المنتظر أن تلعب تركيا دوراً عسكرياً في سورية في حال تم بناء تحالف دولي عسكري للتدخل فيها و قد تقضم إجزاءً من شمال سورية بحجج عديدة و خطط جاهزة.

الدور السعودي: لم تقف السعودية مع الربيع العربي و لا مع الثورة السورية بالبداية و مارست كعادتها سياسة الانتظار و الترقب و مدت أيديها للنظام الأسدي رغم امتعاض القيادة السعودية من ثرثرة رأس النظام بعد حرب 2006 و الاستسلام للمشروع الإيراني في التحالف معه و لكن النظام في بداية الثورة كان يتخبط بخططه الأمنية و العسكرية ضد المؤامرات الكونية المزعومة. كذلك تركت السعودية و لفترة طويلة دولة قطر الإخوانية التوجه سعيها في قيادة بعض المعارضات السورية و التأثير عليها عن طريق الدعم المالي و السياسي, لكن انعطافاً كبيراً حدث بعد ذلك عندما بدأت السعودية بالدخول بقوة في الصراع السوري بعد تصريحات القادة الإيرانيين عن اعتبار سورية محافظة إيرانية و شعورها بالخطر السلفي المتطرف المتنامي في سورية بدعم قطري و احتوائه على العديد من الشباب السعودي أيضاً في تنامي الدور التركي داخل سورية, كل ذلك اضطرها لإعادة مراجعة سياستها و دعم التوجهات الطائفية السنية لقطاعات اجتماعية سورية ضد التوجهات الطائفية الشيعية للنظام و إيران و ضغطت بثقلها الإقليمي و الدولي لتحجيم الدور القطري و محاصرته و فرض بدائل للمجلس الوطني صنيعة قطر بالائتلاف الوطني لقوى المعارضة و الثورة و حتى القبول ببعض المعارضات المدنية و اليسارية لخلق توازن بين قوى اسلامية و إخوانية داخل الائتلاف لكن كل ذلك لم يغير من الجوهر الأساسي للكيان حتى اليوم. من المهم و الضروري أن يتعامل السوريين مع الدور السعودي المقولب أمريكياً بشديد الحرص و الحذر بحكم أنها أكثر الدول الداعمة مالياً للشعب السوري المكلوم بالحرب و بعنف النظام و بكونها دولة لا يمكن أن تقف مع التوجهات الوطنية الثورية السورية في بناء دولة حرية و ديمقراطية و تعددية حديثة لكل أطياف الشعب السوري و تطمينها أن أهداف الثورة السورية هي أهداف محلية و ليست ثورة للتصدير و أن علاقات سورية الجديدة السياسية ستبنى على منطلقات وطنية ثم عربية ثم إقليمية ثم دولية و خاصة أنه هناك حاجة وطنية سورية للاستثمارات السعودية و الخليجية في سورية بعد الثورة في البناء و التطوير دون الهيمنة و الاسفاف السياسي الذي قد يصيب بدائل النظام في حال لم تصل قيادات وطنية.

الدور القطري: دور ملتبس و معقد قامت به دولة قطر بوجود الأمير حمد على قمة السلطة فقد قدمت الكثير مالياُ و سياسياً و إعلامياً لدعم الإخوان المسلمين و تعويمهم و تقديمهم البديل الجاهز للنظام الذي كان أكبر حلفائه في المحافل الدولية قبل الثورة و فرضتهم على الثورة و على المشهد السوري و مازال حتى بعد انحسار الدور القطري نفسه كفرض واقع رغم كل اخفاقات الإخوان المسلمين في سورية و تواضع أدائهم و عدم قبولهم شعبياً. كان للسقوط الإخواني في مصر و تونس الأثر الكبير في سقوط القيادة القطرية و تبديلها و تحجيم الدور القطري على حساب الدور السعودي و لكن لا يمكن أن نتغافل عن الدعم القطري المستمر للتنظيمات الاسلامية المتطرفة و تسويقها منذ بداية الثورة على حساب القوى الثورية المدنية و القوى العسكرية التي خرجت عن النظام. في اعتقادي أن الدور القطري ليس بذات الأهمية كبقية الأدوار الإقليمية مع التنبه له دائماًكلداعم لطرف سياسي سوري حصري و هو الإخوان المسلمين و مدى تأثيرهم في المستقبل السوري.

الدور المصري: في ترابط جوهري لدور مصر الإخوانية و بين رعايتها للثورة السورية حتى سقوط الرئيس مرسي و استلام السيسي الحالي و القريب للسلطة في مصر نرى الانعطاف الكبير الذي حصل للدور المصري و غير المؤثر في الصراع السوري بسبب الأزمات الحاضرة و المستقبلية التي ستواجه القيادة المصرية و هنا يعود للدور السعودي قدرة التحكم بالدور المصري, طبعاً و للدور الأمريكي, حيث يمكن أن تشكل القوات المصرية في مرحلة حرجة ما نواة التدخل الأجنبي في سورية بغطاء عربي في حال سقط النظام ذاتياً و دون تحكم أو إدارة لهذا السقوط و هنا يمكن أن يكون الدور الاسرائيلي-الأمريكي أحد أهم الأدوار التي تدير العملية لمنع الاقتراب من الحدود الاسرائيلية.

الدور العراقي: دور يقف بالمطلق و مبدئياً من نظام الأسد ضد أي ثورة وطنية شعبية ستطال جوهره الطائفي و الاثني الذي صنعه الأمريكين إبان الاحتلال و كرسه الايرانيين بعد الانسحاب و بتوافق الدولتين. لن يكون الدور العراقي الرسمي بأي حال من الأحوال مع سورية حرة ديمقراطية تعددية مدنية و سيتحول إلى شكل مشابه لدور نظام صدام حسين ضد سورية ايام الأسد الأب لمنع أي تقارب اجتماعي سوري عراقي و لمنع تسرب الحالة الثورية إلى العراق بالإضافة لدور بعض القوى الكردية العراقية الساعية للانفصال و ضم الجزيرة السورية للكيان الكردي و هنا يجب العمل على وضع استراتيجية سورية سياسية و عسكرية حالية و مستقبلية لمنع التوجهات السياسية العراقية الطائفية و المتطرفة المدمرة لسورية في ظل نظام الأسد و في حال سقوطه لأنها ستكون المصدر الرئيسي لتصدير التطرف القاعدي من داعش و غيرها و من تطرف شيعي و من تطرف قومي كردي و ستكون تهديداً حقيقياً للدولة السورية الجديدة مهما كان شكلها, و بتواطئ دولي.

الدور اللبناني: دور مشابه للبنان المنقسم و المقسم و العنصري تجاه السوريين ككل و تجاه بعضهم البعض. منذ بداية الثورة انقسم بين من يدعمها لحساباته الطائفية و المذهبية و بين من يحاربها لنفس السبب. أول طروحات الخلافة الاسلامية ظهرت في لبنان المتطرف السني و هو أول من اقترح تقديم السلاح للثائرين المدنيين السوريين الذين رفضوا بالبداية دون تردد. مشاركة حزب الله اللبناني لم تكن متأخرة بل كانت تعمل مع قوات النظام الاستخبارتية في فتح طرق السلاح إلى المعارضة في الداخل و هذا عمل مؤكد و معروف للكثيرين و لكنها كانت الشعرة التي قسمت ظهر البعير عندما تحول الحزب المقاوم إلى ميليشيات طائفية تقاتل كل الشعب السوري الذي شكل البعد الاستراتيجي عسكرياً و سياسياً و اجتماعياً لعقود من الزمن. ارتباط هذا الحزب بإيران يحتم عليه أن ينفذ كل أجندتها حتى و لو كان فيها نهايته و التي وجدها أمامه بثورة تسقط نظام الأسد و تقيم سورية جديدة لن تقبل بمليشيات طائفية تشكل دولة داخل دولة لبنان المجال الحيوي التاريخي لسياسة أي نظام سوري. حتى في حال بقاء نظام الأسد فإن عليه أن يقاتل مليشيات هذا الحزب داخل سورية و ليس في لبنان نفسه بسبب تغوله و تسلطه على مناطق حدودية سورية و لهذا فإن على أي استراتيجية سياسية سورية قادمة أن تضع هذا الحزب مع كل التنظيمات المتطرفة الأخرى على أولى أولوياتها للتخلص منها و من تبعاتها و خاصة أن النظام الأسدي و إيران يعملان على تشكيل حزب الله السوري و هذه معركة قادمة بكل الحسابات السياسية و العسكرية القادمة و قد يتطلب ذلك الصراع خارج حدود سورية لضرب نواته في لبنان و تعرض الأراضي السورية لصواريخ حزب الله التي من المفروض أن تضرب في مكان آخر كما كانت الصواريخ السورية و طبعاً دون إغفال تأثير التنظيمات المتطرفة السنية على مناطق الحدود السورية. نقطة مهمة أخرى أن كل التشكيلات الطائفية اللبنانية ستقف ضد الثورة السورية لأن نجاح هذه الثورة يعني نهايتها جميعاً و تغيير جذري في لبنان لن تقبل به اسرائيل و امريكا و فرنسا بوجه الخصوص.

الدور الأردني: دور مزدوج بين تعاون استخباراتي وثيق مع النظام الأسدي و بين استقبال آلاف المهجرين السوريين و وضع أغلبهم المهين في مخيمات لاإنسانية في وسط الصحراء لحسابات أردنية داخلية أساسية هي مخاوف من تصدير الثورة للأردن حيث كانت أكثر الساحات المهيأة لقيام ثورة بعد سورية إضافة من مخاوف الحسابات الخاطئة لدعم الثورة السورية قد تجعلها تدفع ذلك انتقاماً أسدياً عنيفاً في حال عدم سقوطه و مخاوف من شحنة الدعم الكبيرة لحركة الاخوان المسلمين في الأردن في حال انتصرت الثورة و تصدر إخوان سورية السلطة. الدور الأردني متزبزب و لكنه واضح في تطبيق التعليمات الأمريكية و السعودية و الضغوط الاسرائيلية لتسريب شحنات السلاح المحسوبة بدقة إلى المعارضة العسكرية السورية و في مراكز تدريب عناصرها من قبل بعض الدول المؤثرة كأمريكا دون الإعلان عن ذلك صراحة في حالة الحفاظ على خط العودة مع النظام الأسدي في حال إبقائه دولياً.

2- الدول العظمى:

الدور الأمريكي: لفهم الدور الأمريكي في سورية علينا أن نفهم كيف يتكون القرار الأمريكي سياسياً عسكرياً اقتصادياً. هذه دولة عظمى تحكمها المؤسسات و الأجهزة المتخصصة و المراكز البحثية و لا تحكم برئيس أو إدارة فقط و عليه تتشكل السياسات لتحقيق مصالح الدولة الأمريكية في بقاء سيطرتها على مناطق الصراع في العالم و منها منطقة الشرق الأوسط حيث الولايات المتحدة الأمريكية هي اللاعب الأهم و الأكبر في هذه المنطقة, و لعقود قادمة, حيث تشكل حماية اسرائيل و دعمها أهم اساسيات السياسة الأمريكية في المنطقة. من كل ما سبق لا يمكن أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية مع ثورة تنادي (بالشعب يريد) حيث تنتفي إمكانية السيطرة و التحكم بالدول عندما تكون دولاً وطنية ديمقراطية, إضافة لتدمير بنية اقتصادية و اجتماعية لدولة تناصب حليفتها اسرائيل العداء, شعبياً. الولايات المتحدة استطاعت أن تتأقلم مع الأزمة السورية و هي اليوم أكبر المتحكمين بصمامات السياسة و السلاح و التطرف لمجمل الأطراف و حتى اليوم يعلن مسؤوليها السياسيين و العسكريين عن عجزهم عن إيجاد حليف لأمريكا داخل الأراضي السورية من المعارضات و ربما لو وجد هذا الحليف لتغيرت كل المعادلات جذرياً ناهيك عن تحالفها الاستخبارتي مع نظام الأسد منذ نشأته و تقديمه الخدمات الجليلة. التحدي الكبير للسوريين و لكل نهج وطني سياسي سوري أن يوازن بين المتطلبات الأمريكية و بين السيادة الوطنية و جعل الثانية ثابت بينما ما يمكن أن تقدمه المعارضة الآن و ما يمكن أن تقدمه سورية بعد سقوط النظام جعله متحول و آني و ليس قيود سياسية أو اقتصادية على سورية الجديدة و تقديم سورية الجديدة كدولة مؤسساتية مسؤولة و قادرة و تحترم التزاماتها الدولية تتعامل كند لأي دولة أخرى تحترم كيانها و تتبادل الآخرين تحقيق المصالح كدول و ليس كتوابع لقوى عظمى مهيمنة.

الدور الروسي: الدور الروسي الحالي لم يكن ليكون بهذه الحدة لولا عدة عوامل حدثت في بداية الثورة, فقد كانت روسيا تنتظر تطور الأحداث و اشكال الأطراف المتصارعة لتعرف كيف تحافظ على مصالحها في سورية و على تواجدها في منطقة باتت منذ زمن رمزية و غير فاعلة و كان الانحياز الروسي لصالح النظام واضحاً نتيجة اللغة الفظة و غير الدبلوماسية التي تعاملت بها المعارضة ايام المجلس الوطني مع الروس مما جعلها تدرك أنها مقبلة على رحيل نهائي من الشرق الأوسط و فقدانها لقاعدتها الأخيرة على المتوسط فكان القرار الروسي بدعم الأسد سياسياً و عسكرياً و استخباراتياً و نقل التجربة الشيشانية لتطبيقها في سورية إضافة لاستعادة دورها الدولي في الأمم المتحدة تجلى من استخدام الفيتو عدة مرات لصالح النظام مما جعلها الطرف الثاني في حل و في تعقيد المعادلة السورية و هذا ما استفاد منه الغرب و أمريكا بشكل غير مباشر و ستظل روسيا دولة تبحث عن من يحافظ على مصالحها لأبعد وقت ممكن و تستمر في دعم نظام الأسد حتى يفقد قدرته على المساومة و تقديم الخدمات عندها ستشارك الأمريكيين في فرض حلول عن طريق الفصل السابع أو السادس و تحافظ على تواجدها في ميناء طرطوس و عليه فقيام دولة وطنية قد يعني الطلب رسمياً بالانسحاب و لو بعد عقد من الزمن و هنا تتجلى العقدة الروسية في الأزمة السورية و ضرورة مخاطبتهم بمفهوم استراتيجي و سياسي مختلف فروسيا ستظل المصدر الأساسي لسورية كمورد للسلاح و لقطع الغيار اللازمة لجيشها الوطني الجديد الذي سيتحمل مسؤولية الحفاظ على سورية و على تطهير البلاد من المجموعات المتطرفة و أمراء الحرب الجدد و في الحفاظ على حدودها من مطامع الدول الإقليمية جميعها و ليس اسرائيل لوحدها.

الدور الفرنسي: تباين الدور الفرنسي منذ بداية الثورة و تحول نتيجة الضغوط الأمريكية لدور محدود و غير فعال و انحصر إعلامياً فقط رغم خطاب طائفي مناطقي تعاملت فيه مع الثورة بينما كانت الثورة في أوج ألقها الوطني الجامع لكل السوريين. وعود فرنسية بالدعم للثورة و للمعارضين عسكرياً و سياسياً ذهبت أدراج الرياح متوارية وراء الفيتو الروسي في الامم المتحدة و رايات المقاتلين المتطرفين السوداء في الداخل السوري و تحدد الدور الفرنسي أخيراً بالاتفاق الروسي الأمريكي ضمن الدور الأوربي الضبابي من الثورة السورية.

الدور البريطاني: دور مثير و مريب لبريطانية في الأزمة السورية تجلى في العمل على منع الضربة التأديبية الأمريكية للنظام الأسدي بسبب استخدامه السلاح الكيماوي في الغوطة رغم تعدد مرات الاستخدام في عدة مناطق سورية و تحت أنظار العالم, و كأن بريطانيا عرابة النظام الأسدي و سره العتيق و المطبخ المخابراتي التي تم فيه إعداد الأسدية لحكم سورية لعقود من الزمن و ما نلمسه واقعياً هو وقوفها معه عملياً تحت غطاء إعلامي يشجب سياسة النظام و عنفه مع الشعب السوري.

الدور الصيني: ينحصر الدور الصيني في الوقوف مع القريب الروسي في المحافل الدولية و في استخدام الفيتو الداعم للفيتو الروسي حتى لا تظهر روسيا بموقف ضعيف و معزول دولياً في صفقات سياسية للمستقبل و استبعاداً لسابقة دولية في إزاحة نظام شمولي دكتاتوري يشبه بعض الشيء النظام الصيني.

 

بقلم: خالد قنوت – 17 أيار 2014

Mail Skype Soundcloud Vimeo YouTube

اشترك بنشرة بلدنا البريدية

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك بالنشرة البريدية والحصول على تنبيهات بالمواضيع الجديدة للموقع.

انضم مع 9 مشتركين

شركاءنا

أخبار الشام آبونا يوميات سورية
%d مدونون معجبون بهذه: