سمآ Semâ والحركة الكونية

سمآ Semâ والحركة الكونية

427914_10150745838560132_1530415285_aوجدت سمآ، في القرن الثالث العشر الميلادي، بإلهام المعلم الروحي والشاعر والمتصوف مولانا جلال الدين الرومي 1207-1273، سمآ تمثل رحلة النضج والانعتاق الروحي الحقيقي، هي محاكاة لمعراج الروح في ارتقائها إلى السماء إلى الجنة والعودة مرة أخرى إلى الأرض. مع مرور الزمن أصبحت “سمآ” واحدة من معتقدات و تقاليد التصوف الإسلامي.

طقوس سمآ مؤلفة من سبعة أقسام، لكل قسم منها معنى أو رموزية محددة.

وجهة النظر العلمية الحديثة تعلمنا أن “الحركة وبالأخص الدوران هو المبدأ الأساسي للوجود حيث كل شيء يدور”.

إذاً المشترك بين كل الموجودات هو الدوران، ابتداء من البروتونات والإلكترونات داخل نواة الذرة التي تشكل الجزء الأصغر في بنية الموجودات، وإلى أكبر النجوم والأجرام السماوية. تماماً كما يدور كل شيء في الوجود الإنسان بدوره يدور، عفوياً “بدون وعي” بطبيعة دورانه المحوري والمتناوب مع حركة الأرض حول نفسها وحول الشمس، و”دورة حياته” قدومه من الأرض وعودته إليها، وكذلك دوران الدم “الدورة الدموية” بداخل جسده، ومع الدورة الحيوية المستمر “ولادة وموت” خلايا جسده. لكن من ناحية ثانية فكر الإنسان أو عقله يجعله متمايزاً عن باقي الموجودات من حيث ملاحظته أو إحساسه بهذا الدوران.
524527_10150745845910132_1678058074_n

لذلك نرى كيف السمآزين – و هو الدرويش المولوي الذي يقوم بأداء طقوس سمآ – يحاول أن يجعل عقله ينسجم مع الدوران، خلال أداء طقوس سمآ، ليختبر الاتحاد مع الحركة العامة للوجود. سمآ هي حركة الإنسان عبر الدوران نحو الحقيقة، سمو العقل عبر الحب، التخلي الكامل عن النفس “الأنا”، ليتماها السمآزين تماماً مع “الحق” مع الله، والعودة مجدداً إلى الأرض لخدمة كل الموجودات والمخلوقات بروح جديدة – أكثر نقاء – لأجل مساعدة ودعم المحبة، الآن كإنسان أكثر نضجاً.

السمآزين حين يخلع عباءته السوداء يترك عالم المادة ويبدأ رحلته الروحية صعوداً نحو “الحقيقة” إلى العالم الباطن، قلنسوته الطويلة التي ترمز إلى شاهدة القبر، قبر نفسه “أناه”، وردائه “تنورته” البيضاء الطويلة التي ترمز إلى “الكفن” الذي يغطي جسده.

547252_10150745848260132_776033171_nيقف السمآزين، بعد خلع العباءة السوداء، ليدل بطريقته الخاصة على وحدانية الله حيث يماثل بجسده الرقم واحد “1” و الحرف الأول من اللغة العربية الألف “ا” والذي هو خط مستقيم، ضاماً قدميه إلى بعضهما وواضعاً يديه بشكل متصالب على كتفيه “راحة اليد اليمنى على الكتف الأيسر وراحة اليد اليسرى على الكتف الأيمن” فيبدو تماماً مثل خط مستقيم.

وحينما يبدأ في أداء سمآ يمد يديه باتساع ويدير وجهه بعينين تواقتين نحو يده اليسرى الممدودة والموجهة نحو الأسفل، في حين يده اليمنى ممدودة نحو الأعلى. وكأنه أي “السمآزين” يستقبل بيده اليمنى من “الحق” و ينشر ما يستقبله بيده اليسرى على الخلق. بالدوران من اليمين إلى اليسار – داخل قاعة السمآ – يدور حول قلبه ليطوق كل الناس، كل المخلوقات، كل القلوب النابضة بشغف العشق.

طقوس سمآ تتألف من سبعة أقسام، كل قسم له معنى محدد

 

301867_10150748174180132_1019762174_a1 – القسم الأول: النعتِ الشريف “Şerif Na’t-i”

تبدأ طقوس سمآ بـ”نعت” ويعني المدح ويختص به الرسول محمد (ص) الذي يمثل العشق الإلهي. كما يطلق على هذا القسم اسم “النعتِ الشريف”.
تمجيد الرسول هو تمجيد الله، خالق كل شيء، وكل الأنبياء والرسل الذين سبقوه.

 

521936_10150748176175132_2092725717_a2 – القسم الثاني: كن

بعد قراءة الـ”نعت” يخيم الصمت والسكون والعتمة لبرهة في قاعة سمآ لتُسمع بعدها قرعة طبل. هذه الضربة “قرعة الطبل” تمثل الأمر الإلهي “كن” الذي آتى من الله خلال خلق الكون – إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ {يس/82}

 

547891_10150748177660132_1275055379_a3 – القسم الثالث: النفخة الإلهية

بعدها تـُسمع نفحات من تقاسيم ناي، و التي تمثل “النفخة الإلهية” التي أعطت الحياة لكل المخلوقات – وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي {ص/72}

 

558814_10150748252295132_2134556151_a4 – القسم الرابع : دورة السلطان ولد

في هذا القسم يمشون السمآزين في دائرة ويلقون السلام على بعضهم ثلاث مرات، يمشون بشكل دائري وحين يصلون إلى مكان جلوس الشيخ – الخرقة الحمراء – يلتفت السمآزين الذي تخطى “الخرقة الحمراء” إلى السمآزين الذي يقف قبل الخرقة ليلقوا السلام على بعض، بنظرة مباشرة وانحناء مع وضع اليد اليمنى على القلب. إنه سلام الروح للروح.

يقوم السمآزين في هذا القسم بإلقاء السلام على بعضهم ثلاث مرات ليتمموا الدائرة ثلاث مرات ترسم خطاهم إيقاعات الموسيقى.

 

375163_10150750671670132_743579613_a5 – القسم الخامس: السلام

يتكرر “السلام” أربع مرات ضمن طقوس سمآ كل سلام هو درجة على سلم الصعود

بعد دورة السلطان ولد يقوم السمآزين بخلع عباءته السوداء التي ترمز إلى انتقاله من عالم المادة إلى عالم الحقيقة، بوقوفه بشكل مستقيم بيدين متصالبتين وقدمين مضمومتين مشكلاً حرف “ا” الألف التي تظهر وحدانية الله، يصبح مستعداً للحصول على الإذن للدخول إلى “سمآ” بتقبيل يد الشيخ ويبدأ قسم آخر من “سمآ”.

 

السلام الأول:

هو إدراك الإنسان لذاته و لخالقه العظيم و تفتح بصيرته ليبدأ طريقه مرتقياً عبر مجاهداته الروحية و المعرفة “العرفان” إلى الحقيقة .

551601_10150750677160132_1218745888_aالسلام الثاني:

هو الانبهار التام والاستسلام الكامل لروعة و قوى الحضرة الإلهية ، حيث يصبح السمآزين شاهد على جلاله و عظمته و عظمة خلقه .

السلام الثالث:

هو تضحية الإنسان بعلقه في سبيل الحب وتحويل شعور الواجب و الدهشة إلى “عشق” . هذا هو الاستسلام الكامل، هو الاتحاد بالله ، هو الفناء في المعشوق ، هو “الموت قبل الموت”.

السلام الرابع :

يعد التصوف أعلى مراتب الوجود هي مرتبة “الخدمة” لذلك السلام الرابع و الأخير هو أكمال الإنسان لرحلته الروحية عائداً ليخدم، يعود السمآزين من معراجه إلى مهمته الحقيقية ليخدم الخلق كإنسان كامل مستسلماً ومؤمناً بقدره.

في هذا السلام “السمآباشي” وهو الموجه الروحي للسمآزين، و”الشيخ أفندي” وهو الشيخ الذي يترأس طقوس سمآ يقومون بمشاركة الدراويش بالدوران كرمز للوحدة.

560968_10150750679035132_1179895979_aفي هذه النقطة يكون “السمآزين” في حالة غبطة حيث يتسع إيمانه ليشمل كل الأنبياء و الكتب و الملائكة
َالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ {البقرة/285}

في خضم هذه الغبطة الحقيقة يمتلك السمآزين القدرة لإدراك أسباب الوجود و الأوامر الإلهية، يتغلب على رغباته وذاته “أناه” محققاً مقولة “مت قبل أن تموت” و الآيات الأخيرة من سورة الفجر:

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {الفجر/27} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً {الفجر/28} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {الفجر/29} وَادْخُلِي جَنَّتِي {الفجر/30}.

والآن يكون “السمآزين” قد أحتجب في جنته.

6 – القسم السادس :

تستمر طقوس سمآ بتلاوة آية من سورة البقرة:

وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {البقرة/115}

528960_10150750687985132_350125558_a7 – القسم السابع:

تختم طقوس سمآ بالدعاء و قراءة الفاتحة.

بعد سمآ الـ “ديدِس” (المعلين الروحيين) و كذلك الدراويش لا يتكلمون مع أحد و يعتكفون بصمت إلى حجراتهم للتأمل “تفكر”.

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السمآوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {آل عمران/191}
“تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة”

————
– سمآ : بالعربية سماع ، و هي مجموعة الطقوس الصوفية الخاصة بالطريقة المولوية.

 

بقلم: جلال الدين بكر جلبي
الشيخ السابق للطريقة المولوية “حفيد مولانا جلال الدين الرومي”
ترجمة اللا محتجب
بتنسيق وإشراف مؤسسة “مولانا” العالمية تركيا – كونيا

Mail Skype Soundcloud Vimeo YouTube

اشترك بنشرة بلدنا البريدية

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك بالنشرة البريدية والحصول على تنبيهات بالمواضيع الجديدة للموقع.

انضم مع 29٬796 مشترك

شركاءنا

أخبار الشام آبونا يوميات سورية
%d مدونون معجبون بهذه: