فيما يبدو أن الجميع نسي ما خرج السوريون لأجله

فيما يبدو أن الجميع نسي ما خرج السوريون لأجله

فيما يبدو أن الجميع نسي ما خرج السوريون (أو بعضهم) لأجله: عدالة – مساواة – كرامة – حقوق – مواطنة.
واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد

من أول الهتافات التي صرخ بها السوريون عندما خرجوا عن صمتهم. مطالبين بعدالة اجتماعية ورفع الظلم و رد الحقوق لأصحابها.

حرية وكرامة، والشعب السوري ما بينذل.

ثلاث سنوات تفصلنا عن تلك الهتافات، درعا أولاً، تلتها بانياس وحمص وريف دمشق وباقي المحافظات والمدن والقرى السورية تباعاً.

الطيف السوري شمل كل الممكنات والاحتمالات، من المؤيد للتظاهر، إلى مؤيدي الحل العسكري. ومن مؤيدي التغيير التدريجي والسلمي، إلى المطالبين ومنذ اليوم الأول بالتطرف والدموية سواء كان لجهة تغيير النظام، أو لوأد الحراك الشعبي، الذي لم يستطع التحول إلى أغلبية شعبية معلنة، ولا حتى ضمنية.

كل ما جرى في سوريا، كان يوحي بالاستعجال، من أغلب الأطراف، فدعوات احتلال ساحات دمشق منذ الأشهر الأولى احتلت صفحات المحتجين. ودعوات الحل السريع وتدخل الجيش والقوى الأمنية لطرف النظام لم تكن تقل أهمية وجدية. دعوات الإضراب و المقاطعة لتجار النظام والمتواطئين معه، جاءت جنباً إلى جنب مع ضغط النظام على التجار الذين دعموا أو حاولوا دعم المحتجين. تصعيد خطاب المحتجين من مطالب اجتماعية واقتصادية إلى مطلب إسقاط النظام، ومن ثم محاكمة الرئيس، و من ثم هتافات المطالبة بإعدامه. أيضاً أتت متوازية مع هتافات مؤيدي السلطة الحاكمة بتأليه زعيمهم “حلّك يا الله حلّك”، ومطالبته بارتداء البدلة العسكرية، كما لو أنه كان مرتدياً “البيجاما” يتابع تطور الأحداث في البلد عن طريق التلفاز والفايسبوك وتويتر كما كثير من معارضينا الأشاوس.

تسميات أيام الجمعة والتي كانت أيام التظاهر، بدأت بسرعة واستعجال أيضاً تأخذ طابعاً تصعيدياً، فكانت جمعة الحظر الجوي والتدخل الدولي والمناطق العازلة أسرع من سرعة فيتو روسيا و الصين لإيقاف أي مشروع قرار في مجلس الأمن يدين النظام الحاكم في سوريا.

المعارضة التقليدية، حاولت مجاراة الحدث والتحرك بسرعة لتجاوز عقمها المزمن، وربما كانت استجابتها هي أبطأ ما حصل في الحراك السوري، وكان ذلك نتيجة طبيعية لسبات سياسي في الحياة السورية منذ ما يقرب ثلاثين عاماً. فالخطاب المتصلب والخوف المزمن والحذر الذي لف حراك المعارضة السياسية منذ حملات اعتقالات 1970 كانت كفيلة بأن يتجاوز الحراك السوري خطاب المعارضة السياسية التقليدية بأشواط، ويولد شعوراً لدى أغلب الناشطين بأن هذه المعارضة قد آن أوان تقاعدها، وبأن حراك الشعب لا يحتاج إلى قيادة، وبأن أي خطاب سيكون بمثابة تنظير غير مرغوب فيه، فنحن في زمن السرعة.

فنظام بن علي أسقط في شهر، ونظام مبارك أسقط في شهر. فلما لا يسقط نظام الأسد خلال شهر أو شهرين، أو سنة كما حصل في اليمن و ليبيا؟؟

من طرف آخر، لم يقف النظام منتظراً. بل قام بفبركة معارضة “تحت سقف الوطن” وجعل السقف أخفض من أن يرفع السوري رأسه قليلاً بعد 40 سنة من حكم آل الأسد و50 سنة من حكم الحزب الواحد. وقام بحملة اعتقالات و تصفيات، أدت خلال أشهر إلى تفريغ الشارع من أي مرجعيات مدنية أو حتى أهلية. وأطلق سراح الكثير من المجرمين القابعين في السجون بعفوين شهيرين، طالا أغلب الجنح والجنايات، واستثنيا أغلب الوجوه السياسية التي كانت معتقلة قبل أو خلال ألشهر الأولى من الحراك السوري. و ترك الشارع و الحراك لقمة سائغة أمام شخصيات أقل وعياً و تعليماً، وفي حالاتٍ كثيرة، أصبحت التنسيقيات وقيادة المظاهرات وكتابة الشعارات، بأيد من كانوا “زعران” الحارات و القرى.

أما المعارضون المقيمون خارج سوريا، و الذين انفصلوا عن واقع البلد خلال عشرات السنين، من النفي أو الهرب أو منع العودة. فقد رأوا في ما يحصل من حراك في الداخل السوري فرصاً متعددة، و بالتالي قدموا أنواعاً مختلفة من الدعم، و أظهروا استعدادات مختلفة للتعامل مع قوى خارجية، إقليمية أو دولية. و بدأوا بالتفاوض على مستقبل البلد ما بعد نظام الأسد، قبل أن يسقط شهيد واحد على أرض سوريا.

أشهر قليلة مرت قبل أن نسمع الشعار الشهير “الشعب يريد إسقاط النظام”، هذا الشعار لم يعد أحد يسمعه اليوم بعد 3 سنوات.

فاليوم يشدد النظام قبضته العسكرية الأمنية، بعد أن أخذ الضوء الأخضر بمحاربة الإرهاب، من الدول التي كانت تعتبره غير شرعي، وتطالبه بالتنحي. وبات يقصف ويعتقل ويقتل و يصفي المعتقلين داخل أقبية سجونه، دونما حساب أو رادع، بل إنه استجلب التدخل الخارجي من مقاتلين أجانب لمساعدته في فرض سيطرته على مناطق خرجت عن السيرطة، كحزب الله و ميليشيات عراقية، ومقاتلين من الحرس الثوري الإيراني.

والمعارضة الخارجية، أسست وموّلت منذ أشهر عديدة، لمعارضة مسلحة حملت السلاح بحجة الدفاع عن المدنيين، و المظاهرات السلمية، و الدفاع المشروع عن النفس، و المنشقين الذين لم يقدروا على قتل أهلهم. و تم إنشاء الجيش السوري الحر، و هيئة أركان له. و أصبحت الكتائب و الألوية و الفرق التابعة للمعارضة المسلحة تفرخ تشكيلات جديدة، و بشكل مضطرد حتى أنني أشك بأن قيادة الجيش الحر لديها أي إحصائية بأسماء و تعداد و عتاد هذه الكتائب التي تنضوي تحت قيادته.

ما استجد على الواقع السوري أيضاً منذ أكثر من سنة، هو الكتائب المسلحة التي تحمل فكراً إسلامياً متطرفاً، و تدعو إلى الجهاد و تكفر من تشاء و تصدر فتاوى و تقيمها بحد السيف. بدءاً بجبهة النصرة، و انتهاءً بالدولة الإسلامية في العراق و الشام.

و باتت هذه الكتائب المقاتلة، تفرخ أيضاً. كتائب و ألوية و جيوشاً. و تستمد سلاحها و عتادها من جهات أقل ما يقال عنها بأنها مشبوهة، وبات مجاهدون من أفغانستان والشيشان و باكستان وتونس وليبيا وغيرها، مقاتلين يحتلون مدناً وقرى، يقيمون حواجز تفتيش ويقطعون طرق إمداد ومعونات. يقيمون الحد و يقطعون رؤوساً، بل ولديهم سجون، معتقلون ومعتقلات، من دعاة الحراك السلمي في ما بات يعرف بالمناطق “المحررة”.

بمناسبة حلول عيد الثورة الذي اختلف عليه السوريون، ومع دخول سوريا عامها الرابع مما بات نزاعاً مسلحاً على السلطة، أحاول القيام بجردة بسيطة لما مر علينا:

يطل علينا “ميشيل كيلو و برهان غليون” مصفقين لفصيل إسلامي تكفيري مسلح باعتباره مكوناً هاماً من مكونات الثورة. بينما يطل علينا الأمين العام لحزب الله “السيد حسن نصر الله”، ليقنعنا بأنه سيأتي بنفسه ليدافع عن مقام السيدة زينب الذي يتهدده غزو طائفي. وتطل علينا راهبات معلولا المختطفات لإقناعنا بأن جبهة النصرة قد قامت بعملية الاختطاف ولكنها عاملتهن باحترام. و يطل علينا “شريف شحادة” معارضاَ طارئاً من أوروبا، و “قدري جميل” معارضاَ تاريخياً من موسكو، و يبقى “تيار بناء الدولة” صاحب أعلى تعداد لناشطي دمشق. و تطل علينا “سهير الأتاسي وريما فليحان” حاملتين صوراً للمعتقل “عبد العزيز الخيّر” في جنيف 2 كنقطة تحول تاريخية في كتاب التاريخ القادم. يطل علينا “ياسين الحاج صالح” ليخبرنا بأن “رزان زيتونة وسميرة الخليل” معتقلات لدى الكتائب الإسلامية في دوما المحررة.

تحتفظ هيئة التنسيق بلاءاتها الثلاث، و يحتفظ النظام بثلاثة من قيادييها بين لاءات سجونه، و يحتفظ الدكتور “منذر خدام” بأسبقية إعلان بيانات الهيئة على صفحته الشخصية، ويحتفظ الدكتور “هيثم مناع” بحقه في تذكيرنا بما ستؤول إليه الأمور، و أحتفظ باحترامي لعهد الكرامة والحقوق.

تفرح القنوات الفضائية بإنتاج برامج تستضيف أشباه مثقفين لتحليل الحرب الدائرة على الأرض السورية، من مختلف وجهات النظر “الطائفية”. ويفرح سفير النظام “بشار الجعفري” في الأمم المتحدة بقدرته على إقناع مجلس الأمن بأن ما يجري في سوريا إرهاب. ويفرح النظام بسبعة ملايين لاجئ و نازح. وبينما يفرح الكثير من معارضينا بسلة الذهب المسماة “مخيمات اللجوء”. تفرح منظمات الإغاثة الدولية بتدريب كوادرها وتصريف مواردها في الداخل والخارج السوري. وتفرح دول الجوار بمضاعفة أرقام المساعدات. وتفرح الحكومة المؤقتة والهيئات التابعة لها بصرف رواتب موظفيها من المنحة الدولية. ويفرح الائتلاف السوري بكرسي الجامعة العربية. ويفرح فيصل القاسم بتوافر ضيوف لخمسين حلقة قادمة. وتفرح إسرائيل بتدمير ترسانة الجيش السوري الاستراتيجية و تفكيك بنيته الوطنية.

تغيب عنا إحصائية حقيقية عن عدد الأطفال الذين بقيوا بدون تعليم، عن عدد الإناث اللواتي تعرضن لاعتداء نفسي أو جسدي، عن عدد الشباب الذين أصيبوا بعاهات دائمة، عن حجم الدمار في البنية التحتية للبلد، عن قيمة العملة المحلية، عن التغيرات الديموغرافية في بنية المجتمع السوري، عن عدد المفقودين، عن عدد المهجرين طوعاً أو قسراً، عن عدد الذين قضوا نحبهم و هم يقفزون عن سلك شائك بين دولتين أو غرقاً وهم يحاولون الفرار بزورق صغير، عن عدد العائلات التي فقدت معيلاً أو أكثر، عن عدد الكوادر العلمية التي هربت في محاولة للبحث عن فرصة حياة أو عمل، حتى عن عدد الناشطين الإعلاميين و الثوريين المتعيشين على أخبار البلد.

الكاتب: رزق عيسى

Mail Skype Soundcloud Vimeo YouTube

اشترك بنشرة بلدنا البريدية

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك بالنشرة البريدية والحصول على تنبيهات بالمواضيع الجديدة للموقع.

انضم مع 9 مشتركين

شركاءنا

أخبار الشام آبونا يوميات سورية
%d مدونون معجبون بهذه: