حكاية ُالثورةِ والإنسانِ في ديرِ الزور.. بداية ٌلا تنتهِ إلا بالنّصر

حكاية ُالثورةِ والإنسانِ في ديرِ الزور.. بداية ٌلا تنتهِ إلا بالنّصر

ثورة مدينة دير الزور لم تتأخّر يوماً عن موكب الثورة السورية الأمّ، فقد رأت حروف (الحريّة) النورَ في دير الزور منذ اليوم الأوّل لبدء الاحتجاجات منذ الخامس عشر من آذار لعام ألفين وأحد عشر

لسماع الحلقة انقر زر التشغيل من فضلك، ويمكن إيقاف سماع بث إذاعة بلدنا العام من خلال نقر زر الإيقاف في مشغل الإذاعة الأسود يسار الصفحة

مدينة ُديرِ الزّور، درّة ُالشرقِ السوريّ الثائِر.

حين خرجت أوّل مظاهرةٍ في سِجِلّ المدينة من الملعب البلديّ، عند موعد مباراةٍ محليّةٍ، حيث نادى الشباب الثائر بأوّل الهتافاتِ التي أسقطتِ النظام ورفعتِ الحريّة، ثمّ خرجوا من الملعب فأحرقوا سيارتَين لقوّات الأمن السوريّ، التي لم تتعرّض بدورها لهؤلاء المتظاهرين حسب ما بَدَتْ أنّها أوامرٌ من جهاتٍ عُليا؛ بعدها عمّ الهدوء الحَذِرُ المدينة فكان هدوءَ ما قبل عاصفةٍ كبيرةٍ، انطلقت بمظاهرةٍ جديدةٍ في الخامس عشر من نيسانَ العامَ نفسَه، ومن ذلك الوقت وقد سار رِتْمُ مظاهرات المدينة في منحىً منتظمٍ ومستمرٍ، ما دفع بقوّات الأمن السوريّ التي ضاقت ذَرْعاً بالشباب الثائر إلى شنّ حملات اعتقالاتٍ ضدّهم أواخر نيسان، لتكثّف بعد ذلك بأسبوع ٍممارساتها العنيفة بحقّهم وتقتل برصاصها الحيّ أوّل شهيدٍ من أبناء دير الزور؛ ليتوالى بعدها ارتقاء الشهداء وسقوط الجرحى من الثائرين والمتظاهرين، ما اضطّرَ أبناءَ المدينة إلى تحويل مسار تظاهراتِهم لتصبح مسائية ًولكن يوميّة ًبعِداد أربعة آلاف متظاهرٍ.
خفّت وطأة القبضة الأمنيّة على أعناق أهالي دير الزور، فاشتّدت بالمقابل تحرّكاتهم السِلميّة المناهِضة للنظام، ليبلغ عدد المتظاهرين ثلاثمئة ألفاً احتضنتهم ساحات المدينة في جمعة (أحفاد خالد بن الوليد) حسبَ (المرصد السوري لحقوق الإنسان)؛ لكنّ غدر ووحشية قوات الأسد التي لم تعتَد أن تُبَيّتَ للشعب السوري ضريبة حريته وثورته، فأطلقت في الثامن والعشرين من آب حملة ًعسكرية ًشعواءَ حصدت ريف المدينة، فاجتاحته بقوّةٍ قَوامها مئة ٌوخمسون آلية ًثقيلة،ً وصلت قرى عَيّاش وخريطة وحوايِج، كما شنّت جُملة اعتقالاتٍ جماعيّةٍ بدير الزور نفسها، وتركّزت في شارعَي التّكايا والنّهرَين ومنطقة الثالث من أكتوبر.
واليوم.. وبعد عامَين ونيّفَ من استمرارها في الثورة.. تنام أحياء مدينة دير الزور تحت غطاءٍ من القصف الصاروخيّ والمدفعيّ العنيف، لتستيقظ على دُوِيّ المقاتلات الحربية (الميغ) التي تمشّط أجواءها وتقصف منازلها.

 الجهودُ الإغاثية ُالناهِضة ُبالوضعِ الإنسانيّ.
تشترك أحياء مدينة دير الزور في سوء الوضع الإنسانيّ المتدهوِر، الذي لا يختلف عن مثيلاتها من المناطق المُحرّرة، ممّا تعانيه من شُحّ المواد الأساسيّة المعيشيّة كالمحروقات والطحين.. وللوقوف في وجه شبح العَوَز والجوع انطلقت الجهود الإغاثية، التي كانت في البداية متواضعة،ً تستند على تكافل أبناء المدينة، وتقوم بقَوَام ما استطاعوا تخزينه من المواد مُسبَقاً، ثمّ فَطِن الأهالي إلى ضرورة تشكيل هيئاتٍ إغاثيةٍ فاعلةٍ، استطاعت رغم الحصار الخانق إدخال المواد المعيشيّة والطبيّة الضرورية، ونذكر من هذه الهيئات -على سبيل المثال لا الحصر- منظمة (روافد) العاملة على الصعيد المعيشيّ، فمن مهامّها، تأمين الطحين الضروري لعمل الأفران وتوصيل الحِصص الغذائية للعائلات، توزيع الثياب الشتويّة على العائلات المتضرّرة والمهجّرة خلال الشتاء المنصَرِم، أيضاً إنشاء مطابِخَ تصنع وتوزّع الوجبات الغذائيّة على الأسر المحتاجة.. أمّا على الصعيد الطبّي فبرز فريق (نَبْض)، المؤلّف من شبابٍ متطوّع ذوي خبرةٍ في العمل الإسعافيّ، ومن كادرٍ طبّي ٍمختصٍ أيضاً، وتقوم مهام الفريق على إدارة عمل كافّة المشافي الميدانية الموزّعة في المدينة، أيضاً إدخال وتوزيع المستحضرات الطبيّة والدوائيّة على المرضى والمصابين، كما توثيق بيانات الشهداء والجرحى من أبناء المدينة.. وفي غمرة المَصابِ الكبير لدير الزور، لا يمكننا إغفال الدور الهامّ لفِرَق عاملي الكهرباء والمياه، الذين يدأبون لإصلاح ما خرّبته وتخرّبه آلة الدمار الأسديّة من تمديدات الطاقة وأنابيب المياه؛ إلى جانب الحملات الأهليّة والشبابيّة العاملة يوميّاً لتنظيف شوارع المدينة من الركّام ومخلّفات القصف.

 الهيئة ُالقضائية ُالشرعية ُومحلّها من جُملةِ الأمنِ والعدل.
في ظلّ غياب قوّات الأمن السوريّ عن المناطق المحرّرة من دير الزور، وانحسار سلطة الهيئات القضائيّة الحكوميّة أمام مدّ الثورة وأمواجِ الجيش الحرّ؛ عندها كان لِزاماً على أهالي مدينة دير الزور بوُجهائها ومثقّفيها تشكيلُ هيئةٍ تُعنى بتسيير قضايا المواطنين؛ وتضمّ تحت رايتها غالبية الكتائب المُسلّحة الحرّة القانِعة بأحكامها، وممّا ساهم وزاد من التفاعل والعمل تحت جَناح الهيئة هو ضمّها تشكيلاً مميزاً من الحقوقيّين المتمرّسين والخرّيجين الجامعيّين من ذوي الاختصاصات المختلفة؛ ناهيك عن جسر التواصل المباشر بين كادر الهيئة ونُخبةٍ من القُضاة والمشَرّعين، للرُكونِ إلى استشاراتهم وأحكامهم.
أطلِق على هذه الهيئة توصيف (القضائيّة الشرعيّة)، خِلافاً لما تعارَفتْ عليه المناطق المحرّرة الأخرى من الصِبغة الشرعيّة الكاملة والخالِصة على هيئاتها؛ لتكون بذلك هيئة دير الزور مدنية ًمِهَنيّة بالدرجة الأولى، فاستطاعت خلال فترةٍ وجِيزَةٍ نَيْل ثِقاتِ كافّة المكوّنات الشعبيّة للمدينة، بُحسْنِ سُمعتها وقدرتها على التعامل بعِنايةٍ مع قضايا فضّ النزاعِ وإنصاف التَظَلّم، إلى جانب محافظتها على ممتلكات المواطنين مَحميّةً،ً إضافة ًإلى كلّ ما يأتي خلف باب المعتقلِين من جيش الأسد وطرق التعامل معهم كأسرى حرب.
أنشِئَتْ الهيئة القضائيّة الشرعيّة بدير الزور مطلِعَ آبَ ألفين واثني عشر، فانطلقت إلى دائرةٍ واسعة النشاطات وراسخة التمثيل في المدينة، لتنبثق عنها عدّة مكاتبَ فرعيةٍ وأيضاً سجونٍ لكلّ من تثبت عليه إدانة ٌبجريمةٍ، وبشهاداتِ عيانٍ فقد تمّ التأكيد على المعاملة الإنسانية والحَسَنة للسجناء وبأسلوبٍ مهنيٍ بَحْت، ومن الأمثلة على ذلك حكم الهيئة بالسجن مدّةَ ستّة أشهرٍ على منشقٍ برتبة ملازمٍ أوّل، لاعتدائه بالضرب على أحد الأسرى من قوات الأسد.
في السادس والعشرين من أيلول من العام نفسه، وخلال حملةٍ عسكريةٍ غير مسبوقةٍ بهمجيّتها في تاريخ المدينة، اغتالت قوّات الأسد معظم أعضاء الهيئة، في غارةٍ شنّها الطيران الحربيّ على مقرّ الهيئة أثناء انعقاد إحدى جلساتها.. لكنّ عهد شهداء الهيئة لم يُنقَض وذكرى أعمالهم لم تُنسى، فعاد أهالي دير الزور بعزيمةٍ أقوى بعد فترةٍ وجيزةٍ من حِدادهم على شهدائهم، وأعادوا تشكيل هيئةٍ بديلةٍ مُنتَخَبَةٍ حظِيَت بذات الفاعليّة في معالجة القضايا، فأثبت الأهالي بذلك قدرتهم على تجاوز المِحَن بجدارٍ من الاتّحاد، وسط تربةٍ خَصْبةٍ لإنتاج الكفاءات، حتى في أعتى وأقسى الظروف التي تجاوزها الأهالي للاستمرار بثورتهم حتى تحقيق المُبتَغَى.

 جمعيّة ُ(انعتاق) في عيونِ شبابِها الطامحِ لغدٍ أفضلَ.
لم يقِف شباب مدينة دير الزور على منصّة الحِيادِ ولا نأى بنفسه على مقعد المتفرّج على المشهد الثوريّ الجديد؛ إنّما خاض غِمار التوعية المُجتَمعيّة والتكافليّة، القائمة على عدم التغاضي عن أيّ أخطاءٍ ضمن نطاق الأراضي المحرّرة، سواءً كانت بادِرة ًمن قاطِنيها المدنيّين أو مقاتِليها العسكريّين من الجيش الحرّ، إذ يعقّب أحد الشباب الناشطين في ذلك بقوله: ” لأنّ أيّاً منّا معرّضٌ لارتكاب الأخطاء، أصبح وجود مجموعاتٍ تقوم بالكشف عن هذه الأخطاء والتوعية من تبعيّاتها ضرورة ًمُلحّة،ً لأنّ ذلك أساس ما قامت من أجله ثورتنا العظيمة”.
ومن هذه المجموعات نذكر (كرتونة من دير الزور) و(انعتاق)، اللّذين أنشِئا كتجمّعاتٍ شبابيّةٍ أهليّةٍ، اهتمّت بمتابعة الوضع المعيشيّ والأمنيّ في المدينة، والإشارة للأخطاء والزلّات التي قد يقع فيها البعض، وذلك عن طريق منشوراتٍ ورقيّةٍ ولوحاتٍ حائِطِيّةٍ تدعى بـ(الغرافيكس)، إضافة ًإلى تنفيذ دوراتٍ توعويّةٍ شاملةٍ في مجالاتٍ مختلفة.
مؤخّراً سطع نجمُ (انعتاق) في سماء ثورة المدينة، فالتقينا بأحد الشباب الجامعيّين المساهِمِين بتشكيل هذا التجمّع، وقال عنه: “انعتاق، مفردة ٌمرادِفة ٌللحرية والتحرّر من جميع القيود، التي تقف حجر عَثْرةٍ في طريق تقدّم المجتمع وبناء الإنسان”.. وعن بذرة (انعتاق) تحدّث: “ظهرت فكرة هذا التجمّع عفوية،ً من خلال النقاشات الدائرة حول ما يجري في عموم المدينة الثائرة، والانتقادات لبعض المظاهر الخاطئة التي قد تمضي دون أن يتنبّه لها أحدٌ فيحاسِب عليها، فشعرنا أنّه من واجبنا كشبابٍ واعٍ وثائرٍ من أبناء دير الزور إلقاء الضوء على تلك المظاهر، ولكن بأسلوبٍ خاصٍ منطَوٍ على التحذير من غضّ الطرف عنها”..
لَقِيَ تجمّع (انعتاق) خلال فترةٍ بسيطةٍ من عمله أصداءً شعبيّة ًمرحّبة،ً الأمر الذي دفع ودعم أعضاءه لتطوير أساليبهم، من خلال توسيع مساحة متابعتهم لمُجْرَيَات داخلِ المدينة، أيضاً إبراز كلّ ما هو إيجابيّ والتنويه لما هو سلبيّ لتفاديه.. وحسب ناشطي التجمّع، فكلّ ما حققه ويحققه (انعتاق) بدأ من الأهالي أنفسهم وعاد نفعاً إلى الأهالي، من خلال تعاونهم هم والجهات المختصّة بمحاسبة المخطِئِين مثل الهيئة القضائيّة الشرعيّة في المدينة.

 الجسرُ المُعلّقُ بين ذكرياتِ ديرِ الزور وقلوبِ أبنائها.
كان الثاني من أيار لعام ألفين وثلاثة عشر يوماً لن ينسى في تاريخ مدينة دير الزور، وذكرى قاسية ًمحفورة ًفي عمق وِجدانها.. يومٌ حمل نذير خبرٍ نزل وقْعُه كالصاعقة على أهالي المدينة، إثر قيام قوات الأسد بقصف جسر دير الزور المُعلّق، حتى تهدّمه وانفصاله ووقوع أجزاءٍ منه.
يعود هذا الجسر المعلّق إلى جذورٍ ضاربةٍ قوة ًفي عُمْق تاريخ المدينة، إذ تمّ بناؤه عام ألفٍ وتسعِمئةٍ وثلاثةٍ وعشرين، ليحتلّ مرتبة ثاني جسرٍ معلّقٍ في العالم، فأعطى بذلك لمدينة دير الزور هوية ًسياحية ًوحضارية ًوإنسانية،ً كما منحها طابَعاً متميّزاً حدّ اقتران شهرة كلٍ منهما بالآخر، وكما كان الواصلَ بين ضفّتيَ نهر الفرات، كان أيضاً الرابط َبين أرواح وأفئِدة الأجيال المتعاقِبة التي عايشته، فكان الجسر شهيدَ كل بيتٍ في دير الزور بحقّ..
تفاوتت ردود أفعال أهالي المدينة على مصير جسرهم المعلّق من سُخطٍ إلى حزنٍ فعدم تصديق !!.. ثمّ ثورة غضبٍ جاءت على شكل تظاهرةٍ جابتِ الأحياء المحرّرة، مجّد المتظاهرون فيها ذكرى فقيدهم الأثريّ، حاملين مجسّماتٍ رمزيّة ًللجسر، الذي وصفته إحدى اللافتات المخطوطة بأنّه “كان وسيبقى معلّقاً بفخرٍ فوق رؤوس الجميع”..
فيما أقام مجموعة ٌمن الشباب معارضَ تصويريّة ًعلى صفحات الإنترنت والتواصل الاجتماعيّ كصفحتَي (DeirEzzore Geographic) و(Multimedia DeirEzzore)؛ قامت بتجميع كل ما التُقِط َسابقاً من صورٍ مميّزةٍ للجسر المعلّق، سواءً كانت على يد هُوَاةٍ أو بعدسات مصوّرين محترِفين، فكانت هذه الصفحات نواة ًلمعرضٍ آخر أقيمَ لاحقاً على الأراضي المحرّرة من دير الزور.

فريق العمل:
إعداد الريبورتاج: سيمون ناصر.
تحرير الريبورتاج: ريـم الشــام.

Mail Skype Soundcloud Vimeo YouTube

اشترك بنشرة بلدنا البريدية

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك بالنشرة البريدية والحصول على تنبيهات بالمواضيع الجديدة للموقع.

انضم مع 9 مشتركين

شركاءنا

أخبار الشام آبونا يوميات سورية
%d مدونون معجبون بهذه: