من زوايا بلدنا – لمحة بين الفصحى والعامية

من زوايا بلدنا – لمحة بين الفصحى والعامية
لمحة بين الفصحى والعامية في بلاد الشام للاستاذ نقولا الزهر
لسماع الحلقة انقر زر التشغيل من فضلك، ويمكن إيقاف سماع بث إذاعة بلدنا العام من خلال نقر زر الإيقاف في مشغل الإذاعة الأسود يسار الصفحة

في اعتقادي أن كل لغة من اللغات لا بد وأن يكون بعض الفروق بين لغتها المحكية بين الناس في الحياة اليومية، واللغة الفصحى المستعملة في الأدب والمدرسة والجامعة والدوائر الرسمية. ولكن هذه الفروق ليست بهذا الحجم الكبير الموجود حالياً بين اللغة العربية الفصحى واللغة العامية المتداولة

الكتابة السريانية الآرامية

بتجربتي اللغوية المتواضعة لم أجد مثل هذه الفروق في اللغة الروسية، حينما أسمع الأطفال وهم يتكلمون مع ذويهم، فهم يتكلمون معهم اللغة ذاتها التي درستها في المركز الثقافي السوفييتي في دمشق، وكذلك الحال لمست في باريز أن هنالك فروق بين اللغة العامية ولغة الأدب، ولكن هذه الفروق لا يمكن أن تقاس على الإطلاق، بالفروق الموجودة لدينا بين العربية الفصحى والعامية. وفي الفترة الأخيرة اطلعت على (موسوعة العامية السورية/أربعة أجزاء) التي أصدرها الباحث اللغوي السوري ياسين عبد الرحيم، فوجدت أن 90-95% من مفردات هذه الموسوعة الكبيرة هي مستعملة يومياً من الشعب السوري إلى الآن، طبعاً مع وجود فروق بين عاميات المناطق السورية المختلفة، في الجنوب والشمال والوسط والساحل السوري والمنطقة الشرقية. وأحياناً نرى عاميات مختلفة في داخل المدينة الواحدة. وكذلك رأيت أن جزءً كبيراً جداً من الكلمات العامية المحكية هي مفردات سريانية تماماً مع بعض التعديل في اللفظ.ويبدو أيضاً أن هنالك ميل عميق لا شعوري لدى الناس في بلادنا إلى تسكين الحرف الأول في الأفعال والأسماء فيقال على سبيل المثال:عْملتْ، شْربْتْ، فْعَلْتْ، وفي الفعل الذي يبتدئ بالألف يحذفون الألف ويقولون: كًلْتْ، كلْتي، كلْتم…وكذلك نرى هذا التسكين في الكثير من صيغ اسم المفعول من وزن: مْفَعَّلْ مثل مْرَتَّبْ، مْكَسَّرْ، مْكًسَمْ، مْيسَّرْ ..إلخ…. الناس في بلاد الشام يحبون التسكين، ففي الكثير من القرى لا يقولون: أبو أسعد أو أبو أحمد أو أبو علي إنما ينادونه في كثير من المناطق كما في الساحل والقلمون: بو أسعد، بو أحمد، ولدينا مثل مشهور في بلادنا مستعمل لدى كل االسوريين: (الليْ بدو يعملْ بو علي بدو يْعلّي بابْ داره). وكيف ننسى بهذه المناسبة الباحث السوري في علم الاجتماع: بو علي ياسين صاحب كتاب الثالوث المحرم

حروف اللغة السريانية (الآرامية)

وفي اللغة العامية كذلك هنالك فروق نحوية كبيرة بينها وبين الفصحى. فعلى سبيل المثال أقول في الفصحى: أكلتُ لقمةّ أو لقيمات. شربتُ قليلاً من الماء، درستُ بضع ساعات، نمتُ قليلاً. بينما في العامية يقولون حتى الآن: أكلتلي كم لقمة، شربْتلي شويةْ ميْ، درسْتلي كمْ ساعة، نمْتلي شوي بعد الظهر. هذا الضمير الانعكاسي(لي) الموجود في نهاية الفعل الذي دلالته هنا على شيء قليل من الفعل؟.وهذا لايوجد فقط في المتكلم بل في الغائب المونث والمذكر وفي المخاطب أيضاً.وهنا في الجملة يوجد مفعولان للفعل: مفعول يقع عليه الفعل مباشرة ومفعول غير مباشر الذي هو الضمير.والعامية في سورية تختلف من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى قرية. فعامية أهل مدينة النبك في القلمون تختلف عن عامية أهل يبرود التي تبعد 3 كيلومترات. وعامية أهل صيدنايا تختلف لفظياً تماماً عن عامية معرة صيدنايا التي اتصلت بها الان بعد زيادة التوسع العمراني بين البلدتين. وعلى سبيل المثال حينما أهل النبك يعدون أرقام بعد العشرة يقولون:11=حْدو، 12=ثْنو، 13=تلاطو،14= أربع طو،15=خمس عطو،16= سطعشو… وإذا أراد نبكي أن يسأل شخصاً آخر من بلده عن موعد الصلاة يقول له: وَذَّنْ ولا لو؟ = هل أذن المؤذن أم لا؟
وكذلك أسماء الإشارة في اللغة المحكية تختلف تماماً عن مثيلاتها في الفصحى ففي مدينة دمشق للشخص القريب أو الشيء: ليكو للمفرد المذكر، ليكا للمفرد المؤنث، ليكنْ للجمع المذكر أو المؤنث. وبدلاً من (هنا)الفصيحة يقال (هونْ). وبدلاً من (هناك) يقال: هونيك. أما في مدينة حلب فأسماء الإشارة الحلبية تقترب كثيراً من اللغة السريانية فيقال: كوهني، كوهنا، كوهنن.. وللبعيد كوهناك.. وفي مدينة اللاذقية نرى مفارقة لغوية جميلة فهم يستعملون في عاميتهم كلمة في منتهى الفصاحة، فحين يطلب اللاذقاني ابن المدينة من شخص آخر لكي يشاهد شيئاً ما فلا يقول: شوفْ أو طسْ كما هو الحال في باقي المناطق السورية بل يقول له: عيِّنْ.. عيِّن ولو…وفي منطقة حوران في الجنوب حتى الان يلفظون الكاف: تش فيقولون على الكعك:تشعتش وعلى الكشك:تشتش ..وفي منطقة دير الزور أيضا يستبدلون الكاف بالشين فيقولون على السكين :سشين.. وفي الشمال في منطقة الحسكة يستبدلون، مثل السودانيين، حرف الغين بالقاف فيقولون بدلاً من يغني: يقني، وبدلاً من غني:قني. وفي حالة معاكسة يستبدلون القاف بالغين، فيقولون عن وقفَ:وغف وبدلا من مو قادر: مو غادر. ولذلك نرى في سورية كنيتان ولكنهما كنية واحدة: آل القادري وآل الغادري.وسألت مرة أحدهم من سكان الجزيرة السورية عن كنيته فقال أنه من : بيت الغادري. فقلت له من أين جاءت هذه الكنية فقال لي: شو انت ما تعرف؟ نحنا ننتمي لسيدنا الشيخ عبد الغادر الجيلاني
الكتابة السريانية الآرامية

قصة العامية طويلة جداً وهي لا تزال غابة عذراء ينبغي استكشافها… السؤال الذي أطرحه هنا بعد هذا التقديم، هو، لماذا لا يدرس علماء اللغة العربية هذه الفروق بين العامية والفصحى بجدية وموضوعية على كل المستويات النفسية والفيزيولوجية والوراثية والتاريخية والنحوية؟ سألت مرة صديقي المخرج السينمائي سمير ذكرى عن هذا الموضوع فقال: مرة قال لي عميد كلية الآداب في جامعة الكسليك في لبنان “نحن في بلاد الشام ما زلنا نتكلم في حياتنا اليومية اللغة العربية بمنطق اللغة السريانية والنحو السرياني. وكذلك في الأناشيد الدينية والصلوات نطوِّع اللغة لتنسجم مع موسيقى هذه الأذكار الموروثة التي هي سريانية وبيزنطية. في اعتقادي أن هذا البحث يجب أن يؤخذ بجدية من قبل علماء اللغة في بلادنا ويحتاج إلى ورشة واسعة جداً، والهدف هو ليس إلغاء الفصحى أوالعامية ، إنما لتطوير كلا اللغتين لجسر الهوة العميقة جداً بينهما

فريق العمل:
تقديم: بتول
مكساج: أنس مطلق

برعاية: مدونة سورية

Mail Skype Soundcloud Vimeo YouTube

اشترك بنشرة بلدنا البريدية

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك بالنشرة البريدية والحصول على تنبيهات بالمواضيع الجديدة للموقع.

انضم مع 29٬796 مشترك

شركاءنا

أخبار الشام آبونا يوميات سورية
%d مدونون معجبون بهذه: