في غمرة التسلّح، غوطة دمشق الشرقية

في غمرة التسلّح، غوطة دمشق الشرقية

مع وفرة السلاح في مختلف مناطق غوطة دمشق الشرقية، يحتدم سجال الأهالي ما بين رافض وراضٍ، ففي حين يرى بعض الأهالي أن وفرة السلاح سيعني خروج منطقة الغوطة عن سلطة أي دولة. يرى في المقابل الكثير من الأهالي أن وفرة السلاح ضرورة لا بد منها لدرئ هجمات قوات الأسد.

غوطة دمشق الشرقية

غُوطة دمشق، جنّة من أخصب بِقاع العالم، اعتُبٍرت على مر التّارٍيخ وحتى أربعة عُقود خَلت، المنطقة الأكثر إنتاجية زراعياً حَول العالم. ويَقسٍم الدمشقيون غوطتهم قسمين، شرقية وغربية.

تمتد غوطة دمشق الشرقية نحو الشرق والجنوب محيطةً مدينة دمشق ببساطٍ أخضرِ يشمل الخضراوات وأشجار الفواكه الشامية والسرو وأشجار الحور الباسقة، وتضم الغوطة الشرقية بلدات أصبحت من ضواحي دمشق كثيفة السكان اليوم مثل حرستا وجرمانا والمليحة وعربين، ما بين مدينة دوما وضواحي دمشق الجنوبية إلى أن تلتقي بالغوطة الغربية لتكمل احتضان الأخيرة دمشق بالبساتين.

يعتمد اقتصاد الغوطة الشرقية على الزراعة كونها المصدر الرئيسي لمنتجات دمشق الغذائية، بالإضافة إلى تصدير اللحوم بمختلف أنواعها، وساعدها تعدد مصادرها المائية على اكتساب ثروة بيئية متميزة على مستوى العالم، تقلصت بشكل كبير أثناء فترة حكم البعث لسوريا.

تعتبر غوطة دمشق الشرقية من المناطق المعارضة لنظام البعث منذ بداياته، كما كانت سابقاً الحاضن الأبرز لثوار سوريا على الاحتلال الفرنسي، حتى لقبهم التاريخ بثوار الغوطة. وكانت قد عانت بطش عصابة الأسد في فترة ثورة 1979-1982 ميلادية، قبل تفاقم أحداث لبنان، وعاقبها نظام البعث منذ توليه السلطة، بتخريبها بيئياً، والإساءة لطريقة حياة دمشقيي الغوطة، عن طريق تجفيف مصادر مياهها التي تعتمد على أفرع نهر بردى بشكل رئيسي، بالإضافة لتحويل مجاري الصرف الصحي لمدينة دمشق، لتصب في مجاري سواقي وأنهار الغوطة الشرقية، إفساداً لها.

محمد أحد مجاهدي الجيش السوري الحر الدمشقيين، حمل السلاح منذ بداية الثورة وتوجه إلى الغوطة الشرقية حيث يقول:

“أهل الغوطة هم من لعبو الدور الكبير وحضنوا الجيش الحر ومسلحيه، لأنهم من أبناء الغوطة أساساً، وتلقوا الكثير من الأذى سابقاً من النظام ولهم ماض معه، ومعروف أن غوطة دمشق ثائرة عبر التاريخ على جميع الأنظمة التي مارست طباع الاحتلال أو الاستعمار”

منذ بداية عام 2012 تحولت الغوطة الشرقية إلى ملجأ آمن لثوار دمشق رُغم تكرر الحملات العسكرية من قٍبل قوات النظام على مُختلف مناطق الغوطة الشرقية، إذ وفرت بيئة الغوطة الزراعية بيئة آمنة لاختباء منشقي الجيش السوري الرافضين لقتل الأبرياء، والمعارضين لقصف بيوت أهلهم السوريين.

شباب الغوطة الشرقية

يعمل أغلب شباب غوطة دمشق الشرقية بطبيعة الحال في مهن حرفية وزراعية متوارثة عائلياً، تبعاً لطبيعة المنطقة واقتصادها، في حين نشأ أغلب شباب الغوطة في بيئة محافظة التزمت العادات الدمشقية الإسلامية بشكل عام. ولم يعرف شباب الغوطة أياً من أفكار التطرف والتعصب الديني، خصوصاً أن الأغلبية تنتمي إلى مدارس صوفية متوارثة منذ العهد العثماني.

وبينما عرفت أحياء مدينة دمشق تنوعاً سكانياً وافداً من أغلب نواحي سوريا، حافظت أحياء مدن وبلدات الغوطة الشرقية على أصالة اجتماعية خاصة، لندرة ما وفد إليها من خارجها، سوى من العائلات الدمشقية التي فضلت الانتقال من المدينة إلى غوطتها، مع ارتفاع أسعار العقار داخل مدينة دمشق.

“الشام نصفها بالضبط غربتلية، مافينا نقول إنو ممكن تصير بيئة حاضنة للجيش الحر، لأن الجار ما بأمن بجاره… ممكن يكون عوايني، ممكن يكون شبيح، ممكن يكون (عنصر) أمن، ما بيعرف! ما بيثق بحدا، غير ببيتو ما بيثق، غير بأهلو ما بيثق، مشان هيك ما قدرت الشام تحضن الجيش الحر، أما الغوطة مو هيك”

هذه الخلفية الاجتماعية شكلت لشباب غوطة دمشق الشرقية مرجعاً قوياً لدعم ثورة الكرامة والنهوض بها، خصوصاً وأن دوما أكبر مدن الغوطة الشرقية وعصبها التجاري، احتضنت أكبر اعتصام سلمي دمشقي في بداية ثورة الكرامة، اجتذب النشطاء والثائرين من مختلف مناطق دمشق وضواحيها.

مع انطلاقة ثورة الكرامة في سوريا، كان من الطبيعي أن ينحاز إليها شباب الغوطة الشرقية. ومع تأزم الوضع الأمني في دمشق عموماً، وفد المئات من منشقي الجيش السوري للاحتماء في الغوطة الشرقية، وتبعهم بطبيعة الحال الشباب المطلوبون من أجهزة النظام في مناطق دمشق المختلفة.

بعد الحملة العسكرية الواسعة التي شنتها قوات الأسد على مناطق الغوطة الشرقية مطلع عام 2012، انحاز أغلب شباب الغوطة الشرقية إلى حمل السلاح، ذوداً عن النفس والعرض، وحرصاً على حماية أحياءهم من هجمات قوات الأسد الهمجية. فانتشرت مظاهر التسلح بشكل علني، وشكلت جميع أحياء بلدات الغوطة الشرقية، كتائب مسلحة للحماية وفرض الأمان.

اليوم أغلب مسلحي غوطة دمشق الشرقية هم شبان من أهالي مدن وبلدات الغوطة، والبقية وافدو  ن من باقي مناطق دمشق أو منشقين عن جيش النظام من مناطق سوريا المختلفة كما أسلفت، مع قلة قليلة وفدت من خارج سورية.

وعلى الرغم من استفحال الأزمة الأمنية، احتفظ شباب الغوطة الشرقية بأصالتهم، حيث يقوم متطوعوا الجيش السوري الحر بزراعة أراضي الغوطة الشرقية للاستفادة من منتوجها الغذائي، فيأكلون ما تنتجه الأرض من خضار بينما يرسلون الفاكهة إلى مناطق دمشق الأخرى لبيعها والاستفادة من عائداتها لحياتهم اليومية.

السلاح في غوطة دمشق

احتضن أهالي الغوطة الشرقية مسلحي الجيش السوري الحر وغيرهم انتصاراً للثورة، كونهم من أبناءهم ومن أبناء سكان المناطق القريبة إلى بلداتهم ومدنهم.

لذا لم يستهجن أهالي الغوطة الشرقية مظاهر التسلح في مناطقهم، خصوصاً وأن أغلب عناصر الجيش السوري الحر في الغوطة الشرقية هم من الشباب المتعلم.

حيث اعتاد سكان الغوطة الشرقية بسبب طبيعة المنطقة الزراعية، امتلاك أسلحة خفيفة للدفاع عن بيوتهم وأراضيهم. ومن الاعتيادي أن يمتلك كل منهم سلاحاً في منزله.

أثناء الثورة تطورت نوعية الأسلحة المحمولة بأيدي شباب الغوطة الشرقية من أسلحة صيد خفيفة تستخدم عادة للدفاع عن النفس، إلى أسلحة عسكرية كالرشاشات الآلية.

بعض مسلحي شباب غوطة دمشق امتنعوا عن المشاركة بأي نشاط عسكري منذ بداية الثورة وحتى اليوم، ويبررون ذلك بأهم حملوا السلاح لحماية أنفسهم وعائلاتهم، وليس للقتال، فلم ينضووا تحت أي من رايات الكتائب العسكرية.

بالمقابل حمل السلاح العديد من زعران المنطقة الذين وسعوا نشاطاتهم الإجرامية في غياب أجهزة الدولة وغياب الأمن، فازداد معدل الجريمة في المنطقة. لكن يعتقد عناصر الجيش السوري الحر أن ظهور هؤلاء ظاهرة يمكن السيطرة عليها بمجرد انتصار الثورة وعودة الدولة إلى السيطرة على مناطقهم.

لكن انتشار السلاح بين أيدي زعران المنطقة دفع بعض السكان إلى رفض وجود مسلحي الكتائب الثائرة داخل مدن وبلدات الغوطة الشرقية، إضافة إلى أن بعض الأهالي في بداية الثورة، طلبوا من المسلحين مغادرة المناطق الآهلة بالسكان، تأميناً عليها من قصف الأسلحة الثقيلة لقوات الأسد، غير أن بلدات غوطة دمشق قصفت جميعاً دون استثناء حتى مع عدم وجود أي من الكتائب المسلحة فيها.

يصل السلاح إلى غوطة دمشق الشرقية من خلال عدة مصادر، أهمها تجار السلاح المعروفين في المنطقة منذ عقود، والذين يستوردون السلاح تهريباً من لبنان المجاور لدمشق.

ومع تأسيس الكتائب المسلحة في بلدات ومدن الغوطة الشرقية، اشترطت بعض الكتائب على الشباب المتطوع من خارج الغوطة أن يحضر ومعه بندقية أو ثمن بندقية.

كما يعتمد جنود الجيش السوري الحر في الغوطة على اغتنام السلاح من عناصر جيش النظام، كمصدر رئيسي للحصول على أسلحة هجومية. حيث يغتنم عناصر الجيش الحر السلاح من الحواجز التابعة لجيش النظام، التي يتركها عناصر الجيش ويهربون بمجرد هجوم مسلحي الجيش الحر، ودون مقاومة.

السلاح إلى أين؟

مع وفرة السلاح في مختلف مناطق غوطة دمشق الشرقية، يحتدم سجال الأهالي ما بين رافض وراضٍ، ما بين قلق على مستقبل أبناءه من جهة ومطمئن من جهة أخرى، ففي حين يرى بعض الأهالي أن وفرة السلاح وانتشاره بهذا المستوى، سيعني حتماً خروج منطقة الغوطة عن سلطة أي دولة ستأتي لفرض النظام في المنطقة، ربما لعقود طويلة. يرى في المقابل الكثير من الأهالي أن وفرة السلاح اليوم ضرورة لا بد منها لدرئ هجمات قوات الأسد التي لم تظهر رحمة ولا حكمة.

أبو حذيفة ناشط مدني في حرستا يروي:

“قبل أن تنقصف حرستا اجتمع (كبارية) كثر مع رئيس البلدية والتقوا بقيادة الجيش الحر، وطلبوا منهم الخروج من مدينة حرستا لأنهم لن يقدروا على تحرير حرستا حسب موقعها الاستراتيجي، أخطر موقع في الغوطة، إذ أن أنحولها عشرة كتائب لجيش النظام، ولن تمكن السيطرة على المدينة بسهولة، وحتى لم تمت السيطرة عليها فلا فائدة وفيها عدد كبير من النازحين من مناطق أخرى من دمشق. لكن قوات الأسد بادرت بمحاولة الاقتحام فصدها الجيش الحر، فانسحبت قوات النظام وبدأت بالقصف العشوائي، ورغم أنه أعطى فرصة 24 ساعة لانسحاب المدنيين، إلا أنه أجهز على المدينة بكاملها رغم أن نصف أهالي حرستا كانوا ضد الوجود المسلح في المدينة.”

 أما أغلب عناصر الجيش السوري الحر ممن التقيتهم، فيحملون قناعة بعدم الحاجة إلى السلاح بعد نجاح الثورة وعودة الدولة لتحمل مسؤولياتها، خصوصاً أنهم من حملة حِرف وشهادات علمية، يتوقون شوقاً أن يعودوا إلى ممارسة حياتهم المهنية الطبيعية بعد نجاح ثورة الكرامة.

خاص بلدنا

فريق العمل:

ريبورتاج: إعداد وتنفيذ مؤنس بخاري

تقديم : ريم الشام

Mail Skype Soundcloud Vimeo YouTube

اشترك بنشرة بلدنا البريدية

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك بالنشرة البريدية والحصول على تنبيهات بالمواضيع الجديدة للموقع.

انضم مع 9 مشتركين

شركاءنا

أخبار الشام آبونا يوميات سورية
%d مدونون معجبون بهذه: