نظام الأسد.. هل هو احتلال استيطاني؟

نظام الأسد.. هل هو احتلال استيطاني؟

بَدَتِ الفكرةُ القائلةُ بأن نظام حافظ الأسد هو احتلال (استيطاني)- حينما جَرَّبْتُ طرحَها على الفيسبوك- غريبةً بعض الشيء، وذهب أحدُ الأصدقاء إلى حد الإلحاح في السؤال عنها، قائلاً لي، بتركيز: هل قلتَ (استيطاني)؟
إن أنموذج الدولة “الاستيطانية” الوحيد في العالم هو (إسرائيل).. وقد عَرَّفَتْه كتبُ التربية القومية البعثية بأنه (استعمارٌ استيطاني).. وشَرَحَتْ آلية الاستيطان بأنها تسهيلُ وصول اليهود المهاجرين (شُذَّاذ الآفاق) إلى فلسطين، ومَدُّهم بكل أسباب (ومغريات) الإقامة الدائمة فيها.. ليبدو أمر تحرير فلسطين وعودتها إلى أهلها أمراً مستحيلاً.... ومع مراعاة الفرق الشاسع بين كلمة استعمار (وهي، في الأصل، ذات معنى إيجابي مشتقة من الإعمار)، وكلمة احتلال التي تعني الاستباحة والقهر والإذلال ومصادرة الحريات.. أقول:
أولاً– استولى حافظ الأسد على السلطة في سوريا، سنة 1970، بانقلاب عسكري، أزاح، بموجبه، زملاءه الذين كانوا قد استولوا على السلطة بانقلاب عسكري سنة 1966، فأزاحوا انقلابيي الثامن من آذار 1963 الأوائل، وهذا يعني أن “الأسد” جاء إلى الحكم من دون شرعية شعبية، أو دستورية، أو برلمانية.
ثانياً– ولأن حافظ الأسد يعرف، حق المعرفة، أن حكمه غير شرعي، فقد سارع إلى (استيطان) سوريا، وذلك ببناء مؤسسات أمنية جبارة، ذات امتدادات وتشعبات أخطبوطية، تقوم على شن حروب وقائية ضد السوريين (على غرار حروب إسرائيل الوقائية ضد سكان فلسطين الأصليين ودول الجوار)، وطور العمل بقانون الطوارىء، والأحكام العرفية، والقوانين المدنية الاستثنائية، ووسع محاكم أمن الدولة متيحاً لها قتل السوريين المعارضين والتنكيل بهم على نحو ممنهج.
ملاحظة: (يجب مراعاة أن إسرائيل عدوانية إلى الخارج، متسامحة إلى الداخل، وأن نظام الأسد يقع على النقيض منها، تماماً).
ثالثاً– سمح الأسد لأهالي الأرياف من ضباط وصف ضباط وموظفين مدنيين بغزو المدن الكبرى (دمشق- حلب- حمص- اللاذقية)، وسهل لهم الاستيلاء على منازل الناس بالقوة، لقاء أجور تافهة، وجعلهم يتوارثونها على مرأى ومسمع من مالكيها، وأحكم سيطرته على مفاصل الدولة السورية، بما في ذلك القضاء، الذي سوغ للمعتدين على منازل الناس عدوانهم، وقال إن هذه (السلبطة) أصبحت جزءاً من النظام العام!
رابعاً– أحكم قبضته على الجيش العربي السوري، واستطاع، خلال سنوات حكمه الممتدة حتى الآن، تحويله من جيش وطني إلى جيش لحماية النظام (الاستيطاني).. والسوريون الذين دفعوا تكاليف بناء هذا الجيش من أرواحهم أصبحوا يتمنون فناءه، لأن الأسد جعله رمزاً للقتل والدمار..
خامساً– يبدو أن حافظ الأسد كان شديد الإعجاب بنموذج الدولة الإسرائيلية التي وجدت لتكون ثكنة عسكرية متقدمة للإمبريالية العالمية، يقوم وجودُها على تحالفات دولية كبرى، وتلعب دور الشرطي في منطقة الشرق الأوسط، فأخذ هو، الأسد، يلعب دور الشرطي (الثاني).. في لبنان على وجه الخصوص، حينما استهدف القوى الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية.
سادساً– قامت الدولة الإسرائيلية على العصبية الدينية.. وأرست أسساً تراتبية تقوم على التميز بين القوميات، فاتهمها البعثيون أنفسهم، محقين، بأنها تقوم على التمييز العنصري.
الشيء نفسه حدث في سوريا. فحافظ الأسد سلم المفاصل الرئيسية الكبرى في الدولة السورية، والقيادات العليا في الجيش، لأشخاص من الطائفة العلوية.. وبالنظر إلى الأهمية الكبرى التي يحتلها الإعلام في (الدولة غير الوطنية) فقد لجأ إلى ما عُرف بسياسة (عَلْوَنة الإعلام)..
توضيح: (إن هذه الحقائق تدين النظام ولا تدين العلويين السوريين.. والدليل على ذلك أن الأسد يعتمد على أشخاص بعينهم من الطائفة، فقط.. إمعاناً منه في التمييز العنصري)..
سابعاً– إن شعار (الأسد أو نحرق البلد) الذي رفعه نظام حافظ الأسد مع بداية الثورة سنة 2011، يشير بوضوح إلى الطبيعة (الاستيطانية) لهذا النظام.. وهو لم يكن مجرد شعار كالشعارات البعثية السابقة..
ثامناً– إن سياسة التمييز العنصري الطائفية التي قام عليها نظام حافظ الأسد (الاستيطاني) أسست لنمو الأحقاد القومية والمذهبية في سوريا، فزعزعت، بذلك، بنيان الدولة السورية الذي قام، منذ الأزل، على الحب، والمواطنة، والعيش المشترك..
تاسعاً- أخيراً..
برأيي أن الشعب السوري، الآن، بعد الثورة التي زلزلت الأرض تحت نظام الأسد، يحتاج إلى زمن طويل حتى ينقى من الآفات المزمنة التي رافقت تلك الحقبة (الاستيطانية).. ويستعيد دولته القائمة على المواطنة..
يبدو هذا الآن مكلفاً، وعسيراً، وشاقاً.. ولكنه، بالتأكيد، ممكن

بقلم : خطيب بدلة

Mail Skype Soundcloud Vimeo YouTube

اشترك بنشرة بلدنا البريدية

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك بالنشرة البريدية والحصول على تنبيهات بالمواضيع الجديدة للموقع.

انضم مع 29٬796 مشترك

شركاءنا

أخبار الشام آبونا يوميات سورية
%d مدونون معجبون بهذه: