أكثر من خطيب؟

أكثر من خطيب؟

هذه المرة، قارب الخطيب اسمه. كلام العائد إلى قيادة المعارضة السورية من مقعدها في الجامعة العربية، وخلف علمها الثلاثيّ النجوم، تفوّق بفداحة على من أحاط به من الرؤساء والأمراء والملوك، كما غالباً على كلّ ما شهدته الجامعة العربية في تاريخها من خطابات سورية. هذا طبعاً في الشكل والبلاغة والخطابة، بالخروج عن خشبيات لغة الجامعة، والدخول في تفاصيل الأشياء، بالعاطفية التي لا تبلغ الإسفاف، والبراغماتية التي لا تبلغ الخيانة. أمّا المضمون، فحكايةٌ أخرى..لا تجوز في مقاربته المقارنة مع معاصري معاذ الخطيب أو مواطنيه السابقين. المضمون هنا، في جوهر القضية السورية بكلّ ما تمثّل من حدث محوري للمنطقة.

بالدرجة الأولى، توجه الخطيب ضمنياً إلى الذين يحسبون على الثورة السورية حلفاءها؛ إلى الذين بدأت صراعاتهم تنعكس في الواقع الميداني داخل سوريا خطراً يهدّد مآلات الامور في المرحلة المقبلة. وبعدما عبّر عن خيبات الشعب السوري من هذه المؤتمرات، انتقل ليعلن بوضوح أن هذا الشعب “يرفض وصاية أيّة جهة في اتخاذ قراره”. لكن إشارته كانت واضحة إلى الصراعات الداخلية في الدائرة القطرية-السعودية-التركية-الأميركية عندما قال “إن اختلاف وجهات النظر الإقليمية والدولية قد ساهم في تعقيد المسألة، وقد تتقاطع مصالحنا مع بعض الجهات ولكنّ ثورتنا صنيعة نفسها، والشعب السوري وحده هو الذي فجّرها وهو الذي سيقرر طريقها”.

هذه الإشارة إلى واقع كان في صلب استقالته –وعودته- عكست طبيعة العلاقة المركّبة التي تجمع هذا الرجل بتحالفاته الظرفية. معاذ الخطيب لن يوجّه إلى هؤلاء علناً من كرسي منحوه إياه، أيّ انتقاد يتجاوز اللهجة الدبلوماسية المعاتبة ويصل إلى مستوى خطورة الملف الذي يرتبط بالتبعيات الخارجية للمجموعات المسلحة داخل سوريا بغض النظر عن “اعتدالها” أو “تطرفها”. وممّا لا شكّ فيه أن قائد “الجيش الحر” رياض الأسعد كان من الذين دفعوا ثمن “التعقيد” في إشارة الخطيب، مع اقتراب ساعة تقاضي أثمان الإنجازات العسكرية للمعارضة المسلحة.

النقطة الثانية الأهمّ في الخطاب، هي مقاربته لمسألة “الكيميائي”، والتي بدأها بانتقاد التركيز المفرط على هذه القضية وتجاهل “كل ما حصل للشعب السوري (و) لم يلفت الأنظار”. لكن الأبرز، والذي اتخذ فيه موقفاً متقدماً وطنياً وسياسياً، أنه كشف تخطيط قوى غربية لضرب الأسلحة الكيميائية السورية، وهو ما أشارت إليه صحف أميركية مراراً، ورفض تدمير هذه الترسانة السورية إلا في حال تسوية ملف أسلحة الدمار الشامل في المنطقة، والتوافق السوري حول ذلك في مؤتمر وطني.

أما في ملفي “الإرهاب” و”التدخل الخارجي”، واللذين يشكلان مصدري القلق الأساسي في المنطقة، فكان الخطيب صريحاً لكنه لم يكن مطمئناً. رفض “التشدد” ودعا إلى معالجة أسبابه، ولم يقارب الممارسات الميدانية ل”المتشددين”، الذين بارك للأجانب منهم “تضامنهم” مطالباً إياهم في الوقت نفسه بالبقاء في صحبة ذويهم. ولعلّ الخطيب لم يشر إلى ممارسات “النصرة” وغيرها على الأرض في سياق حديثه عن “الإرهاب”، لأنه يضع هذه الإشكالية في سياق النقطة الاولى التي أشار إليها، وهي الصراعات الخارجية على أرض سوريا…

الجزء الأكثر إثارة للريبة في كلام الخطيب: دعوته إلى ضمان منطقة حظر جوي في شمال سوريا عبر ال”ناتو” وبموافقة أميركية طبعاً. الدعوة ليست بجديدة، وتحاكي عودة الحديث في الصحافة الغربية عن “النموذج الليبي”، كما لا يمكن تجاهل وقوف شريحة من السوريين في الداخل وراء هذا المطلب. لكن، ألن يفتح ذلك أبواب جهنم الكبرى على سوريا والمنطقة بأسرها؟ ماذا سيكون الموقف الروسي من خطوة كهذه؟ وما أنواع الموت التي ستجلبها سماء سورية بسيادة “أطلسية”؟

معاذ الخطيب دعا الحكام العرب إلى إطلاق المعتقلين السياسيين لديهم، “ليكون يوم انتصار الثورة السورية في كسر حلقة الظلم هو يوم فرحة لكل شعوبنا”، رابطاً بذلك قضية التحرّر السوري بنضالات التحرر في الوطن العربي من المغرب إلى البحرين. اختار كلماته جيداً عندما قال إن السوريين يملكون “من الإرادة ما يقوّض به أكبر صنم في الأرض”. فهل سيقود الخطيب هذه الإرادة في مواجهة أصنام تتجاوز النظام السوريّ قدرةً؟ أم أنه سيبقى في الخطابة وينأى بنفسه عن الواقع؟

بقلم: مازن السيد

Mail Skype Soundcloud Vimeo YouTube

اشترك بنشرة بلدنا البريدية

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك بالنشرة البريدية والحصول على تنبيهات بالمواضيع الجديدة للموقع.

انضم مع 9 مشتركين

شركاءنا

أخبار الشام آبونا يوميات سورية
%d مدونون معجبون بهذه: