ولم أزل على قيد الحياة – إذاعة بلدنا


كان مساءً عادياً جداً….
العشاء..قصة قبل النوم..الأطفال في السرير..سهرة على التلفاز..فيسبوك..و..أصوات القصف..
لا شيء غير اعتيادي…
فجأة..
صوت سقوطٍ قريبٍ للقذيفة……خرق رتابة ليلٍ سوريٍ اعتيادي..
قريب!…..أتراه خطأٌ في الهدف؟
صحيح أنّ صوت الإطلاق لم يتوقف أبداً منذ عدة أسابيع..لكنّ سقوط القذائف كان دوماً بعيداً….أمّا الآن فهو قريبٌ..بل وقريبٌ جداً
رائحة الدخان..بل والدخان نفسه مرئي من الشبّاك..رغم عتمة الليل
اثنتان أخرييان..واثنتان أخرييان..إنّه قصفٌ إذاًلا ملجأ في البناء..لا خيار إذاً سوى ممرٍ ضيقٍ يمكن اعتباره أكثر الأماكن أمناً في المنزل..نسبياً
وضعنا الفرشة في الممر وحملنا الأطفال النائمين..وهناك على فرشةٍ بالممر الضيّق..كان لي مع بقية الليل موعد…
صوت إطلاق..ووقتٌ كافٍ للكثير من الخواطر..قبل صوت السقوط
صوت إطلاق..أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله..صوت السقوط
وما بين الإطلاق والسقوط..أفكار كثيرة
ما هو الأسوأ؟
أن تسقط علينا..فنموت جميعاً….بل هو أفضل السيء
الأسوأ أن نموت جميعاً عدا واحد..ربما أنا مثلاً..كم سيكون هذا قاسياً..
سأعتاد بعد فترة..نعم سأعتاد أني خسرت عائلتي..وستستمر الحياة! شجاعة..إيمان.. أم تبلد إحساس.. ربما
ربما هناك ما هو أسوأ..أن أصاب بعاهةٍ دائمة..أو يصاب أحد أحبابي!
صوت سقوط..لسنا نحن موضعه..الحمد لله
أكان من المفترض أن أفرح لأنها لم تصبني؟ ولكن ألم تسقط على عائلة أخرى؟ أي مفارقة تلك..أن أفرح لأني نجوت ودمٌ قد أسيل..وعائلةٌ ما نُكبت..بخسارة بيتها على أقل تقدير..على بعد أمتار
صوت إطلاقٍ جديد..
لقد انتصرت..نعم انتصرت..إن حملت هذه القذيفة معها نهايتي..فليكن..أنا واثقة أني لم أؤذ أحداً طيلة حياتي..لم أقتل أحداً على الأقل!
أما ذاك “الدمية” خلف المدفع..واليد التي تقوده وتسلطه على العباد..واليد الأكبر التي تستعملهما من أجل كرسيّ زائل..فستبقى اللعنات تنصب عليهم حتى قيام الساعة!
صوت سقوط..ما زلت حيّة
وإطلاقٌ من جديد..
سأموت ويذكرني أهلي وأصدقائي..كنت أمأ.. وزوجة ..وابنة..وأختاً.. وصديقة..وزميلة…
أحسبني أبليت حسناً في هذه الأدوار..
أمّا ذاك القاعد في القصر…..فستذكره البشرية..قاتلاً..مجنوناً..سفّاحاً..ديكتاتوراً..
نعم..انتصرت..أنا انتصرت عليك أيها الأحمق..فلتأت أيتها القذيفة الآن..
وسقطت..أقرب قليلاً من التي سبقتها
ومجدداً..صوت إطلاق
أطفالي.. نظرةٌ إلى هذه الوجوه البريئة النائمة وسط الضجيج ملأت قلبي بالطمأنينة..
منذ بدأت حمّى القتل في بلدي..وأنا أقصّ عليكم قصص الحرية والكرامة..
خاطبتكم بكلمات تكبر سنين عمركم القليلة..كانت تلوح كل يوم صورة بقائكم وحدكم في هذا العالم الظالم..
حاولت أن أزرع كل البذور التي بجعبتي.. الكرامة..والعدل..وحريّة التعبير..واحترام الآخر..واحترام الاختلاف..وحب الوطن..وكراهية الاستبداد..وكراهية الظلم…
وكنت موقنةً أنّ ما أزرعه سيثمر يوماً..
الآن وقد يتحقق ذلك..أنا أثق بكم..أثق أنكم ستكملون المشوار..مهما كان الدرب وعراً..ولو طال الطريق
وسقطت القذيفة..ومازلنا أحياء
وصوت إطلاق جديد..
أيها الغبي..ألم تفهم بعد..ماذا بعد؟؟
ستنتهي قذائفك يوماً….مهما بعُد ذلك اليوم..ستنظر حولك..فلا تجد سوى اللعنات تلاحقك..وأطياف الضحايا تخنقك
أمّا أنا..فإمّا أن أنجو..لأقصّ للعالم أنّي كنت هناك..وبقيت..لأنها أرضي..وعشقي..وقصة حياتي..وسأتابعها..لأبنيَ ما هدمت أنت..وسأجد حولي أحباباً مثلي باقين..ومعي سيبنون
أو أن أموت..لأرحل إلى أحباب سبقوني..فأخبرهم كم صبرنا بعدهم..وسأنظر معهم بهدوءٍ سرمدي..إلى ضجيج مصرعك!
وبكلتا الحالتين..سيكون ثمة أحباب حولي….هل أدركت الآن كم أنت غبي؟
بعدها…. لم أسمع صوت السقوط…لكن….
يبدو أنّي ما زلت حيّة!

نص: Syrian Freedom bird
أداء ومكساج: أميرة
مونتاج وإخراج: مؤنس بخاري

ولم أزل على قيد الحياة – يومية خاصة من يوميات سوريا ل: إذاعة بلدنا

بالتعاون مع : حركة وعي

Mail Skype Soundcloud Vimeo YouTube

اشترك بنشرة بلدنا البريدية

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك بالنشرة البريدية والحصول على تنبيهات بالمواضيع الجديدة للموقع.

انضم مع 29٬796 مشترك

شركاءنا

أخبار الشام آبونا يوميات سورية
%d مدونون معجبون بهذه: