قراءات مشرقة – في الحج

قراءات مشرقة

قراءات مشرقة

لسماع الحلقة انقر زر التشغيل من فضلك، ويمكن إيقاف سماع بث إذاعة بلدنا العام من خلال نقر زر الإيقاف في مشغل الإذاعة الأسود يسار الصفحة

قراءة اليوم أصدقائي لنقف وقفة تأمل وتفكر… مع مقالة للأستاذ مجاهد ديرانية بعنوان “في الحج”

من أعظمِ القواعدِ الأخلاقية التي أحملها وأدافع عنها دائماً قاعدةُ “تقديمُ المصلحةِ العامةِ على المصالح ِالفردية”، وأعتقدُ جازماً أن دفاعي عن الخيرِ العام ينفعني كما ينفعُ غيري من الناس، فلا بدّ أن يدور ويصلَ إليّ آجلاً أو عاجلاً. وهذه القاعدةُ تنطبقُ على الحج، ففي الدنيا ألفُ مليونَ ونصفُ ألفِ مليونَ مسلمٍ يتمنى الحجََّ منهم مئاتُ الملايينِ فلا يصلُ إليه إلا أقلُ من مليونين كلَ عام، وفي السعودية ملايينُ يصرّون أن يحجوا كل عام، يقولون: كيف نضيعُ الحجَ ونحن على بعد ساعات من مكة؟ لا يدركون أنهم يؤجَرون الأجر الأوفى لو اكتفوا بحَجةِ الفريضة ووفروا المكانَ لغيرهم من المسلمين.

لمّا فهمت هذا المعنى توقفت عن الخروجِ إلى الحج بعدما حججت ثمانيَ حَجات، فمضت على آخرِ حَجةٍ حججتها تسعٌ وعشرون سنةً وأنا مقتنع بأن لا أعود. وكبرَ أولادي واحداً بعد واحد فحجّ من كبرَ منهم مع رفقةٍ صالحةٍ من الأعمام والأصحاب، حتى لم يبقَ غيرُ اثنين وجبَ الحجُ على أصغرهما -عبّاد- قبل سنةٍ وعلى أخيه -سنان- قبلَه بثلاث، فتدبرت لهما الحج مع عمّهما منجد الذي قرر الذهابَ إلى الحج ِمع بعضِ أصحابه. وكان الاتفاقُ بيننا أن أوصلَ عبادَ وسنانَ إلى عرفاتِ يومَ الوقفة ليلحقا بالجماعة، ولم يكن معنا تصريحٌ للحج فتأخرنا إلى العصر لأن التدقيق على الحواجز يتراخى مع تقدمِ الوقت.

لم نستطع الاقترابَ لأن الطرقَ الموصلةَ إلى عرفات مغلقةٌ من بعيد، فأوقفنا السيارةَ حيث بلغَ بنا الطريقُ وسرنا مسافةً طويلة. وخشيت أن يضلّ ولدايَ الطريقَ فلا يصلا إلى الجماعة (إنه الحج يا كرام؛ ثلاثةُ ملايينَ إنسانٍ في بسيطٍ من الأرض!) فصحبتُهما إلى محطة القطار حيث مكانُ اللقاء. وكانت البوابةُ مغلقةً فلبثنا ننتظر، وما زال الناسُ يتكوّمون حتى صار وراءنا وحولنَا بشرٌ لا يُحصى عددُهم، ثم فُتحت البوابةُ بعد ساعةٍ وتدافع الناسُ كيوم الحشر، فوجدت نفسي داخلَ المحطة، ومشيت مع الجموعِ حتى صرت واقفاً مع الواقفينَ على الرصيف. هنالك فكرت:

الساعةُ الآنَ الثامنةُ مساءً وأنا في عرفات، أقفُ على رصيفِ القطارِ الذاهبِ إلى مزدلفةَ ولا يمنعني من الحجِ مانع. ماذا أصنع؟ الله يعلم أني لم أقصِد مزاحمةَ الناس ولكني صرت هنا والخروجُ غير ممكنٍ إلا من الطرفِ الآخر، من آخرِ خطِ القطارِ في مِنى، فماذا عليّ لو نويتُ الحجَ ومضيت، ونمت مع جماعتي فلم آخذ مكان غيري من الحجاج، وتخيّرت الأوقات فلم أزاحم في الطواف والسعي ولم أزاحم في رمي الجِمار؟ ليس بيني وبين الحجِ إلا النيّة، وهذه سهلة، والتلبية (على الأرجح عند المالكية وهي شرط عند الحنفية) وهذه أسهل، ونزعُ المَخيط والحذاءِ ولبسُ النعلِ والإزار، وهذه تُفتدى بفدية.

فثمة عزمتُ النيّة، وجاء القطارُ فدخلته ملبّياً بالحج!

مجاهد ديرانية

Mail Skype Soundcloud Vimeo YouTube

اشترك بنشرة بلدنا البريدية

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك بالنشرة البريدية والحصول على تنبيهات بالمواضيع الجديدة للموقع.

انضم مع 29٬796 مشترك

شركاءنا

أخبار الشام آبونا يوميات سورية
%d مدونون معجبون بهذه: