من زوايا بلدنا – معبد دمشق

من زوايا بلدنا

من زوايا بلدنا

 معبد دمشق أهم وأقدم الأوابد الدينية على سطح الأرض ، إذ لا يعرف التاريخ معبداً حافظ على موقعه واستمر نفعه وتوارثته أديان مختلفة، ومورست فيه العبادة دون انقطاع منذ أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، مثل معبد دمشق  إنه معبد الإله حدد الآرامي في الماضي البعيد وجوبيتير الدمشقي في الماضي القريب وكنيسة يوحنا المعمدان بالأمس والمسجد الجامع اليوم  كل واحد منها كان فريد عصره والنموذج المثل الذي بنيت على غراره المعابد

لسماع الحلقة انقر زر التشغيل من فضلك، ويمكن إيقاف سماع بث إذاعة بلدنا العام من خلال نقر زر الإيقاف في مشغل الإذاعة الأسود يسار الصفحة

 

معبد دمشق هو أحد أهم الأوابد الدينية على سطح الأرض، إذ لا يعرف التاريخ معبداً حافظ على موقعه واستمر نفعه وتوارثته أديان مختلفة، ومورست فيه العبادة دون انقطاع منذ أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، مثل معبد دمشق  إنه معبد الإله حدد الآرامي في الماضي البعيد وجوبيتير الدمشقي في الماضي القريب وكنيسة يوحنا المعمدان بالأمس والمسجد الجامع اليوم  كل واحد منها كان فريد عصره والنموذج المثل الذي بنيت على غراره المعابد

نحن لا نملك تصوراً واضحاً عن عمارة معبد دمشق الآرامي، فالآثار المعمارية التي تعود إلى تلك الحقبة دثرت وضاعت معالمها إلا أن المراجع تذكر أن معبد حدد، سيد دمشق، القابض على الصاعقة والسنبلة، رب الأرباب، منزل الغيث ومنبت الزرع وواهب خيرات الأرض، كان أفخم المعابد الآرامية وأجملها وأقدسها وكان الناس يحجون إليه من أقاسي البلاد الشامية، يطوفون حوله ويتبركون به

جوبيتير الروماني لم يكن سوى غلاف لبعل اوحدد السوري فالثور او الجدي رمز الخصوبة وهو من اشكال ورموز بعل وهو حامل البرق ايضا

أما فيما يخص المعبد في المرحلة السلوقية الرومانية فإن الشواهد المتبقية من جدران وأعمدة والمنتشرة ضمن النسيج العمراني لمدينة دمشق المسورة سمحت لنا بوضع تصور معماري له مطابق للواقع في أغلب جوانبه

لقد بلغ هذا المعبد كماله وذروة جماله في القرنين الثاني والثالث للميلاد، وفي الفترة التي ازدهر فيها العمران في بلاد الشام وبني فيها العديد من المعابد التي لا تزال بعض آثارها موجودة كبعلبك وتدمر وبصرة ومنبج وجرش وغيرها ولكن معبد دمشق كان أهمها وأجملها وأكملها وكان يمتلك حرمة مقدسة لا يجرؤ أحد على انتقاصها أوانتهاكها، فمن تواجد في حرمه كان آمناً على نفسه وماله وكان البيع والشراء يمارس بأمان وحرية في الأسواق المحيطة به والواقعة ضمن نفوذ حرمه

 

خلال أعمال إصلاح الجامع الأموي الكبير بدمشق ظهرت أحد الأعمدة المنهارة من أنقاض معبد جوبيتير التي تحمل اسم أبولودور. فيما يرجح أن يكون لأبولودور الدمشقي إسهام في تصميم وإنشاء هذا المعبد

في الربع الأخير من القرن الرابع للميلاد توقفت الممارسات الوثنية في دمشق وحلت محلها الديانة المسيحية، وانتشرت الأبنية الكنسية في المدينة وتحول مبنى الهيكل في المعبد إلى كنيسة، ثم أقيمت كاتدرائية كبرى ضمن حرم المعبد حملت اسم القديس يوحنا المعمدان، بعد أن نقل إليها رأسه الذي كان مدفوناً في كنيسة حمص، ومنحت الكاتدرائية حق الحماية والإجارة لمن يحتمي ويستجير بها، وأضحت الأكبر والأجمل والأهم بين كنائس دمشق

بعد الفتح العربي الإسلامي لمدينة دمشق تم بناء جامع في قسم من الكنيسة سموه جامع الرفقاء ومنذ ذلك الحين حافظت دمشق على اواصر الصداقة بين المسلمين والمسيحيين وشهد على ذلك عهد الخليفة معاوية حيث وصل المسيحيين الى مراتب هامة في الدولة والجيش والبحرية اضافة لوجود اعداد هامة من الاطباء الناجحين من امثال ابي الحكم وبن عطال طبيب الخليفة الخاص
في العشر الأول من القرن الثامن الميلادي أي بعد سبعة عقود على الفتح العربي الإسلامي لمدينة دمشق نقدت كنيسة يوحنا المعمدان وكل الأبنية والمنشآت التي كانت قائمة ضمن جدران المعبد الداخلية وأقيم مكانها مسجد جامع كان تحفة عصره وأعجوبة زمانه وهو كذلك إلى يومنا هذه رغم كل الأحداث التي مرت به والنكبات التي توالت عليه

وإذا جاز لنا القول بأن العلاقة بين عمارة المعابد التي سبقت عمارة الجامع هي في بعض جوانبها علاقة تراكمية، أخذ اللاحق فيها من السابق والحديث من القديم، وأضاف إليها صفاته الخاصة به ثم صاغها صياغة جديدة وفق واقع زمانه ومكانه، فإننا نرى أن هذه العلاقة لا تنتطبق على عمارة جامع دمشق حيث تأثير الموروث فيها محدود وحيث الطاغي هوالتجديد والابتكار صحيح أن الجامع بني على أرض المعبد القديم، وأن البقايا من أعمدته وأحجاره استعملت في بناء الجامع الجديد كما تحولت بعض أسواره وبواباته إلى جدران ومداخل الجامع الجديد وصحيح أن أجمل وأضخم كنائس دمشق وهي كنيسة القديس يوحنا المعمدان كانت موجودة ضمن أسوار المعبد القديم تفرض نفسها كمثل يحتذى في بناء المشيدات الدينية، إلاّ أن ذلك كله لم يترك أثراً يذكر على عمارة الجامع الجديد. إن وحدة التصميم والتناسق بين كتل الجامع وفراغاته والعلاقة الوظيفية والجمالية الأمثل التي نظمت كل عناصر المبنى بحرمه وصحنه وأروقته ومآذنه فضلاً عن روعة زينته وزخرفته كل ذلك كان جديداً دون سابق وفريداً دون مثيل
إن جامع دمشق هونتاج الحضارة الجديدة التي ظهرت واكتملت في فترة قصيرة محددة، والتي أطلقها الدين الجديد على مسار خطي متسارع نحوالأعلى حيث الانفجار الحضاري الكبير الذي أضاء ما حوله وبهر محيطه، وأسس امبراطورية عربية أموية إسلامية مترامية الأطراف، امتدت رقعتها من شواطئ المحيط حتى حدود الصين وفاقت باتساعها كل الامبراطوريات التي سبقتها وجعل من دمشق أهم مركز إشعاع حضاري على وجه الأرض إن جامع دمشق هو المعادل المعماري لعظمة هذه الامبراطورية وبه وضعت الأسس الهندسية لعمارة الجوامع التي تمخض عنها كل ما نعرفه من روائع الفن العربي الإسلامي

لقد أجمع المؤرخون على فرادة جامع دمشق وأسهبوا في وصف جماله وإتقان بنائه وغرابة صنعته ما يضيق عنه الحصر وكان الوليد قد وعد أهل دمشق بأن يبني لهم مسجداً يفاخرون به كما يفاخرون بمائهم وهوائهم وفاكهتهم وحماماتهم وهكذا كان
وإذا كان الزمن قد مر على مفاخر دمشق الأربع ومال عليها الحال فانتقصت قيمتها وقل قدرها، فإن جامعها لا يزال وسيبقى درتها الغالية ومفخرتها إلى ما شاء الله رغم ما مر عليه من محن ولعل حريق عام 1893 اخرها حيث احال الجامع الى  كتلة من لهيب  وانهار أوتضعضع  الكثير من بنائه بما في ذلك قبته الشهيرة ، ولكنها دمشق التي لا تقف عاجزة ابداُ بابنائها الذين يملكون الخبرات المتراكمة في البناء منذ الاف السنين تلك الخبرة التي هي  في كثير من الاحيان فطرية دخلت في المكون الجيني للدمشقي، فتفجر حب المكان وقدسيته عبقرية اعادت بناء الجامع  اجمل مما كان عليه بامكانيات اقل ما يقال عنها انها متواضعة جدا ،لكنها الايدي الذهبية للدمشقيين

وبالنهاية نقول ان معبد او كنيسة اوجامع دمشق هورمز لسوريا ودمشق مرت فوق حجارته قوافل من الحضارات والحكام والبشر وتعبدت في قدسية محاريبه ملايين من المؤمنين وتعشقت كل حجارته بصلواتهم وتضرعاتهم وامالهم الكبيرة والصغيرة ولهذا لا تملك عندما تدخله- وابوابه مشرعة لكل البشر مهما كانت توجهاتهم -الا ان تخشع  بعد ان تستتب فيك سكينة لا توصف وان تطلق صلاتك مع عشرات الملايين الذين مروا قبلك حيث الله قريب جداً في هذا المكان المقدس يحب كل ابنائه بكل الوانهم ويهبهم من سكينته وحبه

المراجع

http://syriablog.net/index.php/blog-articles/63-temple-of-jupiter-umayyad-mosque

إعداد

  • د. اعتدال معروف القاق
  • د. نزار حسيب القاق
Mail Skype Soundcloud Vimeo YouTube

اشترك بنشرة بلدنا البريدية

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك بالنشرة البريدية والحصول على تنبيهات بالمواضيع الجديدة للموقع.

انضم مع 9 مشتركين

شركاءنا

أخبار الشام آبونا يوميات سورية
%d مدونون معجبون بهذه: